روايات وقصص

اخويا متجوز 2 اماني السيد

لكن الأمور لم تقف عند هذا الحد. بدأت ثريا تلاحظ أن صلاح بالرغم من حبه لها، إلا أنه أحياناً ينظر إلى أطفال هدير الكبار بعين الأبوة أو يشفق على حال أمهم فى صمت، وهو ما أثار جنونها وجعلها تخطط لخطوة أكبر وأخبث بكثير. أرادت أن تقطع حبل النجاة الأخير بين صلاح وأولاده، وأن تجعل البيت كله خالياً لها وحدها تماماً.

ذهبت إلى صلاح ليلاً بينما كانا جالسين فى غرفتها، وتحدثت معه بلين مصطنع ودلال مقصود:
ـ حبيبى يا صلاح، أنا خايفة عليك وعلى مستقبلك، البيت ده ضيق علينا كلنا برغم فتح الشقتين، وعيال هدير كبروا وبقوا مزعجين، وأنا مش واخدة راحتنى فى بيتى. ليه ما تطلبش من هدير تتنازل عن نصيبها فى الشقة أو تسيب البيت وتروح تقعد عند أهلها، وتكتب الشقة باسمى واسم عيالى عشان نبقى في أمان؟ كفاية عليها كده، هى أدت رسالتها وخلاص.

شعر صلاح بتردد طفيف فى البداية وقال:
ـ يا ثريا، هدير ملهاش مكان تروحله، وأهلها متوفيين، وكمان هى مراتى من سنين طويلة… صعب أعمل فيها كده فجأة.

لكن ثريا لم تترك له فرصة للتفكير، بل عبست بوجهها وافتعلت بكاءً مزيفاً وقالت:
ـ أه، يعنى أنت لسه بتحن لها وخايف على زعلها؟ طالما هى أغلى عندى منى، يبقى أنا هلم هدومى وأسيبلك البيت وأرجع لأهلى، وساعتها ابقى عيش معاها لوحدك!

وكالعادة، وقع صلاح فى حبائلها وفقد صوابه أمام دموعها المصطعنة، وقال بسرعة وهو يمسك يديها:
ـ تبعدى فين بس يا ثريا! إنتى الروح والقلب، مستحيل أستغنى عنك. خلاص، اللى تامريه هيتم بكره الصبح، وهدير لازم تعرف حجمها كويس وتنفذ اللي أقوله من غير مراجعَة.

وفى صباح اليوم التالي، حدثت الطامة الكبرى. استدعى صلاح هدير إلى الصالة المفتوحة، ووقف بجانبه ثريا وهى تبتسم بانتصار خبيث، وقال صلاح بنبرة قاسية لا توحي بأى رحمة:
ـ يا هدير، الوضع ده مينفعش يستمر، ثريا مش مرتاحة وعيالك كبروا وعايزين مساحة. أنا كتبت التنازل عن الشقة باسم ثريا، وعشان تريحي دماغك وترتاحي من التعب والهم، تشوفي لك مكان تروحي فيه، أو تقعدى فى أوضة واحدة جوة والشقة كلها بقت بتاعت ثريا وعيالها.

وقفت هدير متجمدة فى مكانها، غير مصدقة لما يسمعه أذناها. أكل الدهر عليها وشرب، وضحّت بسعادتها وعمرها معه، وفى النهاية يُطرد من بيتها ويُلقى بها فى الشارع بكل جحود ونكران لصالح امرأة لم تدخل البيت إلا لتخرب كل شيء.

نظرت إليه وإلى ثريا التي كانت تبتسم بشماتة واضحة، ولم تدرك هدير كيف خرجت الكلمات من جوفها وهى تقرر أن تقف فى وجه الظلم لأول مرة مهما كانت النتائج.

خرجت الكلمات من جوف هدير كبركان أوشك على الانفجار بعد سنوات من القهر والسكوت الممرض. وقفت مستقيمة، وقد غادرت الدموع عينيها لتحل محلها نظرة صلبة حارقة جعلت ابتسامة ثريا البلهاء ترتجف على شفتيها لأول مرة.

قالت هدير بصوت ثابت وقوي لم يثره صراخ ولا تهديد:
ـ أطردنى يا صلاح؟ ترمينى فى الشارع بعد كل سنين العمر والشباب والتربية والخدمة اللى قدمتهالك ولبيت أهلك؟ تبيع حق عيالى وتكتبه لست هانم عشان تريح دماغك وترضي شهواتك؟ للدرجادي رخصت عندك، وللدرجادي بقيت رخيصة ومجرد شوال بطاطس تشيله وتحطه براحتك؟ اسمعها مني ومن الآخر يا صلاح؛ الشقة دي شقتي وبيت عمري، ومكتوبة بدم قلبي وتعب سنيني، ووالله العظيم لو انطبقت السما على الأرض ما هخرج منها ولا هسيب شبر واحد للي جاية تسرق تعب غيرها على جاهز!

جن جنون ثريا وتلون وجهها، وصرخت بصوت عالٍ وهى تنظر لصلاح بحدة وتستفزه:
ـ شايف يا صلاح جرأتها وقلة أدبها؟ واقفة فى بيتي وبتعلى صوتها عليّا وعليك كمان! لو ما خرجتهاش بره حالا، أنا هشوف طريق تاني، والباب ده ما يدخلنيش عليه رجلي تاني لو فضلت قاعدة معانا دقيقة زيادة!

أما صلاح، فقد أعماه الغضب وفقد آخر ذرة من الحكمة. وقف فى وجه هدير وتحدث بصوت صارم ووعيد:
ـ بقى صوتك يعلى وبتتجرأي تقولي مش خارجة؟ دا أنا هعرفك مين صلاح وإيه اللى أقدر أعمله! اعتبرى نفسك طالعة بره بالهدوم اللى عليكى، والعيال دول هتشوفي مكان تروحي فيه!

لكن فى تلك اللحظة المفصلية، اندفع الابن الأكبر لهدير، وكان شاباً فى أوائل العشرينيات من عمره، وقد شهد بكل قهقهات الظلم ودموع أمه وهى تذل يوماً بعد يوم. وقف أمام أبيه، ومنعه من التقدم، وقال بصوت هز جدران الشقة المفتوحة:
ـ إياك تمد إيدك أو تهددها تاني يا أبى! كفاية لحد كده، سكتنا كتير وبلعنا الإهانة عشان العيش والملح وحرمة البيت، لكن توصل للظلم والطرْد عشان خاطر ست هانم، فده اللى مستحيل نسكت عليه! الشقة دي حق أمي ومش هتمشي منها، ولو على الطرد، إحنا اللي مش هنقعد في بيت فيه ظالم ومظلوم!

تراجع صلاح للخلف فى ذهول وصدمة من جرأة ابنه الذى لم يتوقع منه يوماً أن يعارضه، بينما صرخت ثريا فى رعب مصطنع وقالت لصلاح:
ـ شايف ولادك علموا إيه؟ بيكلموا أبوهم ازاي؟ طلقها واطردها حالا وارتاح من القرف ده كله!

لم تستسلم هدير، ولم تقف مكتوفة الأيدي؛ ففي اليوم التالي مباشرة، وعلى غير العادة، لم تظهر عليها أى علامات انكسار. استغلت غياب صلاح الذي ذهب لينهى إجراءات نقل الملكية المشؤومة مع المحامى، وجمعت أوراقاً قديمة ومستندات تثبت حقها القانوني والتاريخي في الشقة، وخرجت بخطوات واثقة لأول مرة منذ سنوات خارج أسوار السجن الكبير الذي فرضوه عليها.

لم تذهب هدير لمكان غريب، بل توجهت مباشرة إلى محامٍ مخضرم فى المنطقة، وحكت له تفاصيل القصة المأساوية منذ دخول ثريا وحتى محاولة طردها وفتح الشقتين عنوة. استمع المحامى لها بتمعن، وظهرت على وجهه علامات الارتياح وقال لها بابتسامة طمأنينة:
ـ اطمني يا أمي، القانون يقف بجانبك، وفتح الشقتين وتنازل صلاح ده تحاييل باطلة وعقود ممكن نبطلها بسهولة، وكمان ممكن نرفع قضايا نفقة وتمكين وحقك مش هيروح أبداً طالما معاكي المستندات دي.

عادت هدير إلى البيت ووجهها يكسوه هدوء غريب وواثق، دخلت من الباب المفتوح، فاستقبلتها ثريا بنظرة شيطانية وضحكة ساخرة وقالت:
ـ ها يا ست هدير؟ رحتي فين، لطمي عند مين ولا مين هيساعدك؟ المحامى بتاعك ولا أهلك اللى مش موجودين؟ اسمعي منى، صلاح زمانه جاي ومعاه ورقة الطرد النهائى، جهزي شنطتك أحسن لك!

نظرت إليها هدير بابتسامة هادئة وباردة كالثلج، وقالت بصوت واثق مرعب:
ـ استنى يا ثريا على رزقك، بكرة اللى يضحك في الآخر يضحك كويس، واللي بنى بيت على ظلم وهدم حياة ناس تانين، انهياره بيكون أبشع مما تتخيلي!

دخل صلاح الشقة فى تلك اللحظة ووجوههم مشحونة بالترقب والشر، ولم تكن أيقنت هدير بعد أن المعركة الحقيقية قد بدأت لتوها وأن القادم سيغير مجرى حياة البيت كله إلى الأبد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى