
صفاء فضلت بصالي بنفس الابتسامة الهادية، الابتسامة اللي كانت زي وأنا واقفة. قربت مني خطوة كمان وقالت بصوت واطي بس كل كلمة فيه كانت نازلة على : “أنا ما جيتش أترجاكي ولا جاية أعيط لشريف.. أنا أخدت تفريغ الكاميرات بالكامل، معايا هنا على تليفوني. الكاميرا جايبة الممر بوضوح، جايباكي وأنتِ بتطلعي العلبة من صدرك وأنتِ
طلعت تليفونها بثقة، وفتحت ڤيديو وشغلته قدام وشي. عيني اتسعت من الصدمة لما شفت نفسي بالثانية والدقيقة! الكاميرا اللي كانت متثبتة في سقف الممر قدام باب كانت جايبة الزاوية بالملي.. باين فيها وشي وأنا ببص يمين وشمال بالراحة، وإيدي اللي امتدت بخفة في جيب جلابيتها وأنا حسيت إن الدنيا بتدور بيا، والشارع كله بيلف. صفاء قفلت التليفون وحطته في شنطتها بهدوء، وقالت لي: “التفريغ ده نسخه معايا، ونسخة منه راحت للمحامي بتاعي، وقريب قوي هيكون
على تليفون شريف وتليفون أمه.. بل وعلى تليفون العيلة كلها اللي حضرت السبوع وشهدت على وما تلاقيهوش، هخلي ! شريف اللي كان متحملني عشان الولدين، لو عرف إنني تبلت على حبيبته وأم بناته وشهّرت بيها قدام الناس وخليته يطردها بالمنظر ده، مش هيسمي عليا. وحماتي اللي كانت طايرة بيا عشان الولاد، هتقلب عليا وتبصلي كأني شيطان!
رجعت البيت وأنا مش حاسة برجلي. دخلت الشقة، لقيت حماتي قاعدة بالولاد في الصالة بتلعبهم ومبسوطة، وشريف كان راجع من الشغل بدري، قاعد على الكنبة ووشه مهموم ومطأطأ في الأرض كالعادة. أول ما دخلت، بصلي شريف بنظرة جافة وقال: “تأخرتي ليه كده؟”
ما قدرتش أرد، رحت على على طول وقغلت الباب عليا. كله كان فكرت إني أروح لابن عمها صاحب المحل وأعرض عليه فلوس عشان يمسح تسجيلات الهارد.. بس صفاء قالت إن النسخة بقت معاها ومع المحامي! يعني المسح من المحل مش هيفيد بآي حاجة. طب أسرق تليفونها؟ أبعت حد يثبتها وياخد الشنطة والتليفون؟ الأفكار السوداوية كانت بتتسابق في .
سمعت شريف بيرد بصوت هادي: “ألو؟.. أيوه يا صفاء..”
سكت شريف ثواني، وأنا كنت حاسة إن روحك بتتسحب مني. هل هي بتبعتله سمعت صوت شريف فجأة بيتغير، نبرته الهدية اتقلبت لصدمة وذهول، وزعق بعلو صوته: “أنتِ بتقولي إيه يا صفاء؟! إيه؟! كلام فارغ إيه ده؟!”
البيت كله أنفاسه، والثواني بقت تمر كأنها دهور. شريف كان باصص في شاشة التليفون، ووشه يبدأ يتغير بالتدريج؛ ألوانه بتروح وتيجي، رقبته جمدت وبارزت كأنها حبال، وشفايفه بتهتز بذهول
أنا كنت واقفة مكان صنم، في عيني، وركبي مش شايلاني. كنت مستنية يرفع عينه ويصرخ، مستنية لحظة القضاء عليا.
حماتي قربت منه بلهفة وقلق وشغف، ومدت رقبتها عشان تشوف الشاشة وقالت: “في إيه يا بني؟ البت دي بعتتلك إيه؟ شغل الصوت وريني!”
فجأة، شريف رمى التليفون على الكنبة بقوة، وحط إيديه الاثنين على رأسه وقعد على الكرسي وهو بيلهث كأنه كان بيجري في ماراثون. أنا جمصت عيني واستعديت ومشى! التليفون يهنج؟ ما يفتحش بسبب عطل في الشبكة أو الميديا؟ ربنا إداني فرصة أخيرة أنفذ بجلدي، وما كنتش هضيعها أبداً!
استغليت اللحظة فوراً، وجريت عملت دور تفتحه، ولما لقته بيهنج ومش راضي يعرض حاجة، تفّت على الأرض وزعقت: “يا فاجرة يا صفاء! جاية تعملي ألاعيب وتزوري فيديوهات عشان تشككي الواد في مراته وأم ولاده؟! ربنا ينقم منك يا بعيدة!”
شريف كان ساكت تماماً، مش بيحكي ولا بيرد، بس نظراته ليا كانت متغيرة. حتى لو أول ما نزل، عرفت إن الوقت بيجري ضدّي. شريف اكيد نازل للمحل اللي تحت العمارة! نازل يشوف صاحب المحل أو يطلب منه يفتح الهارد بنفسه!
جريت على البلكونة وشفت شريف فعلاً بيمشي بخطوات سريعة وداخل المحل اللي تحت العمارة. قلبي كان بيموت من الخوف. لو صاحب المحل فتح له التسجيلات على جهاز الكمبيوتر الكبير جوه المحل.. تبقى كل حاجة انتهت، والتليفون اللي هنج مش هيحميني المرة دي!
كان لازم أتصرف في ثواني. جريت على المطبخ، مسكت عيل وعصرت إيده بضغط جامد لحد ما الولد الصوت هز الشارع كله. شريف كان جوه المحل ولسه بيكلم ابن عم صفاء، أول ما سمع صريخ ابن الصغير، خرج يجري زي دخل الشقة وشافني ماسكة الولد وببكي وبحرّك فيه بحسب، وأمه بتصرخ جنبي. شريف شال الولد من إيدي بسرعة وجري بيه على الشارع عشان يروح بيه لأقرب مستشفى أو دكتور، وأنا أخدت الولد الثاني وجريت وراه.
شغلت شريف بابنه، ودخلنا في دوامة كشوفات وتحاليل ودكاترة لحد نص الليل، لحد ما الدكتور طمنه وقال إن الولد كويس ومفهوش حاجة، مجرد مغص شديد. بس أنا قدرت باللعبة دي أكسر اللحظة الحاسمة، وأبعده عن المحل والتسجيل في الوقت المناسب.
شريف ما بصليش، وفضل باصص للفراندة ، وقال بصوت ناشف زي الحطب: “أنا بكرة الصبح رايح للصايغ، وهبيع دهب أمي، ورايح أخد هارد الكاميرات بنفسي من المحل.. مش هسيب الموضوع ده غير لما أفهمه بالملي يا حتتك.. لو أنتِ د، هجيبلك حقك من صفاء وأقطع لسانها.. ولو طلعتِ أنتِ اللي عملتي كده…”
سكت شريف وما كملش الجملة، بس قام ووقف قدامي، وبص في عيني بنظرة كفيلة !
فضلت واقفة في الصالة والضلمة حوليّ زي المقفول بالمفتاح، وعرفت إن خلاص اللعب بقواعد زمان انتهى. بكرة الصبح شريف هينزل المحل، وهياخد الهارد، وهيشوف ، غير إن حماتي اللي كانت شايلاني من على الأرض هتدوس عليا برجلها.
قعدت على طرف السرير والأفكار في دماغي بتغلي زي الزيت. قدامي كام ساعة بس قبل ما المحل يفتح والشمس تطلع. المحل تحت العمارة على طول، وصاحبه ابن عم صفاء.. يعني لو الهارد ده اتدمر، أو السيرفر بتاع الكاميرات جرى له حاجة، الڤيديو ده هيموت للأبد وشريف مش هيلاقي دليل واحد ضدّي! صفاء معاها نسخة على التليفون، بس شريف شاف بعينيه إن التليفون مش راضي يفتح الڤيديو أو الملف معطوب، ولو الهارد الأساسي اتمسح أو اتقطع، صفاء مش هتجيب غير سراب وهتطلع قدام العيلة كدابة وبتتبلى عليا!
الساعة كانت جات تلاتة بعد نص الليل. البيت كله كان ساكن ومفيش صوت غير شخير حماتي المحل كان محاط بشباك صلب من الجنب طل على ممر العمارة الداخلي، والمكان ده كان فيه السلك الكهربائي الرئيسي اللي مغذي المحل وسيستم الكاميرات والدش. كانت فكرتي مجنونة.. بس مفيش غيرها! لو عملت قفلة كهرباء قوية في الكابل الرئيسي اللي داخل المحل، الكهرباء الشديدة هتعمل شرز وهتطير الباور سبلاي والجهاز بتاع التسجيل (DVR) اللي جوا المحل، والهارد نفسه سيكتوراته وتنتهي!
مسكت السكين القديم والزردية اللي كنت سرقاهم من صندوق العدة بتاع شريف قبل ما أنزل. أيدي كانت وفجأة! سمعت صوت خطوات طالعة من الممر الجانبي الشارع!
اتسمرت في مكاني والدم هرب من وشي. استخبيت ورا العمود الرخام الكبير في المدخل، وحبست نفسي تماماً. الضوء الضعيف بتاع كشاف الشارع عكس خيال شخص ماشي بالراحة وقرب من باب المحل.
أول ما قرب الشخص وظهر تحت نور اللمبة السافية.. عيني اتسعت من نور كانت واقفة ماسكة في إيدها شنطة صغيرة، وبتبص يمين وشمال كأنها هي كمان بتعمل حاجة من ورا البيت! أنا فضلت ملبدة ورا العمود، مش فاهمة البنت دي بتعمل إيه في مدخل العمارة الساعة تلاتة الصبح؟ هل أمها بعتاها تعمل حاجة؟ ولا البنت كانت بتراقبني؟
نور قربت من باب المحل، وطلعت مفتاح صغير من جيبيها! كانت رايحة تفتح القفل الجانبي للمحل!!
في اللحظة دي، فهمت كل حاجة.. صفاء ما كانتش سيبة الموضوع للظروف، صفاء بعتت بنتها بدري عشان تتأكد إن الهارد معملوش حاجة وتجهز نسخة ثانية شغال عشان شريف لما ينزل الصبح يلاقي كل حاجة متجهزة وعلى الفرازة!
الغضب والغل أكلوا عقلي تماماً. لو البنت دي فتحت المحل وطلعت الفلاشة أو الهارد، كل خطتي الصرخة البسيطة دي خلاني أفقد عقلي. زقيتها بقوة ناحية الجدار، البنت اترزع رأسها في الحيطة الرخام ووقعت على الأرض ساكتة تماماً ومغمى عليها، والمفاتيح وقعت من إيدها ورنت على البلاط!
وقفت فوقيها وأنا بنهج، قلبي كان بيدق بسرعة مريعة. بصيت للبنت المرمية على الأرض، وبصيت للمفاتيح.. وبعدين بصيت لكابل الكهرباء المفتوح. ونازل يدور عليا!


