
إبراهيم وقع على الكرسي ومش قادر يشيل طوله، وأمه بقت تلطم على وشها وتقول: “يا فضيحتك يا إبراهيم! يا خراب بيتك يا ابني! أخدت دهب الست وغصبتها عشان تبهرني وتعملي فيها ابن بار؟! ربنا مش هيقبل مني حجة ولا عمل بسببك يا مهدود الحيل!”.
أخواته وأعمامه بقوا يبصوا له بنظرات تقزز وقرف. عمه الكبير وقف وقال بغضب شديد: “أقسم بالله ما أنت راجل يا إبراهيم! تعمل في مراتك الست الشقيانة كده وتسرقها عشان تظهر قدامنا إنك الفتوة والبار بأمك؟! بقى الفلوس دي كلها من شقاها ودهبها وأنت جاي تتفشخر بيها قدامنا؟!”.
إبراهيم حاول يتكلم، بصلي بعيون مكسورة ورجاء ممتلئ بالذل وقال: “سامحيني… والله العظيم الشيطان غواني، وكنت فاكر إني هعوضهالك بعدين.. مسحيها فيا يا بنت الحلال بلاش تخربي البيت وتفضحينا قدام الغريب والقريب!”.
قربت منه، وطأطأت رأسي وقعدت قصاده وهو قاعد على الكرسي مكسور، وبصيت في عينيه وقلتله بنبرة هادية جداً بس تقطع زي السكينة: “الشيطان ما غواكش يا إبراهيم.. أنت اللي استضعفتني. أنت فاكر إن الست اللي بتشتغل وتسهر وتحوش في صمت دي هفأة وملهاش ظهر ولا دماغ تفكر بيها. أنت فكرت إن عشان أبا الله يرحمه مات وما سبليش إخوة رجالة ييجوا يكسروا عضمتك، إن مالي سايب! ما كنتش تعرف إن أبا سابلي عقل يوزن بلد، وسابلي وصية حفرتها في قلبي: ‘زوديهم مش تنقصيهم’. وأنا زدتك وزدت دهبي وعرفت أرجع حق أبا وزيادة”.
حماتي جات مسكت إيدي وهي بتعيط وتقول: “يا بنتي حقك عليا أنا، أنا هاخد من دفتر التوفير بتاعي وأديكي ثمن دهبك وزيادة، بس بلاش قضايا وبلاش تحبسي ابنك وتفضحينا في المنطقة!”.
سحبت إيدي بالراحة من بين إيديها وقلت: “تؤ يا حجّة.. الفلوس دلوقتي مش هتاخديها من دفترك ببساطة كده. الفلوس هتوصلني بالمليم، وعن طريق المحامي وبحكم محكمة وبإقرارات موثقة بالشهر العقاري يكتبها ابنك على نفسه تسديداً للشبكة والدهب بأسعار النهاردة اللي مولعة نار، وإلا المحضر شغال وفي خلال 48 ساعة هيكون إبراهيم مطلوب في قسم الشرطة بتهمة خيانة الأمانة والسرقة!”.
إبراهيم بقى يبصلي وهو مش مصدق إن دي نفسها الست المطيعة الهادية اللي كانت بتمشي جنب الحيط وتفصل الجلابيات بابتسامة. بقى شايف قدامه وحش مفترس جاب حقه بالدماغ والقانون والأوراق، من غير ما ترفع صوتها ولا تكسر طبق واحد في البيت.
أخدت شنطتي والملف بتاعي، وبصيت للعيلة كلها وقلت: “الجلابية في الشنطة يا حجّة، القماش من أرقى نوع والتطريز هاندميد، تلبسيها بالهنا والشفاء لما ترتاحي من سفرك.. أما أنا، فنزلاني دلوقتي لشقتي فوق هلم هدومي وأغراضي، ورايحة أقعد في بيت أبا يرحمه لحد ما كل مليم يرجعلي في حسابي بالكامل، ولحد ما الورق اللي في الشهر العقاري يتوقع!”.
مشيت وسبتهم في الصالة زي المجانين، صوت صراخ حماتي ولطمها على وشها نازل يرن في البيت، وصوت عمها وهو بيضرب إبراهيم بالكف على وشه بيتردد على السلم، بينما أنا كنت طالعة خطوتي ثابتة، وضهري مفرود، وابتسامتي نصر حقيقي…
بس الخطة ما انتهتش هنا، والأيام الجاية كانت شايلا لإبراهيم مفاجأة تانية خالص هتخليه يدفع ثمن اللي عمله، مش بس فلوس.. ولكن عمري وحياتي اللي افتكر إنه يقدر يستغلها ببلاش!
طلعت شقتي فوق وأنا حاسة بتقل كابوس أزاح عن صدري، بس في نفس الوقت كان في داخلي بركان لسة م انطفاش. الهيبة اللي إبراهيم حاول يتظاهر بيها والكرامة الوهمية اللي بنى عليها صورة “الابن البار” اتفتت قدام أهله، بس أنا كنت عارفة إني بتعامل مع راجل أناني ومراوغ، وممكن أول ما بيهدأ العاصفة ويطلع من شوك الصدمة، يبدأ يفكر في انتقام أو طريقة يلعب بيها على القانون أو يستغل وجودي في بيت أبا يرحمه عشان يماطل.
دخلت الأوضة، فتحت الدولاب، وبدأت ألم هدومي وأغراضي الأساسية بالراحة. ما أخدتش معايا أي حاجة مش من حقي، ولا حتى حتة قماش واحدة كنت اشتريتها بفلوسه؛ أخدت قماشي، أدوات الخياطة، دفاتر مقاسات الزباين، ومقصاتي اللي بعتبرها سلاحي الحقيقي في الدنيا دي. لميت كل حاجة في شنطتين كبار، ونزلت بيهم على السلم بهدوء شديد.
وأنا نازلة، باب شقة حماتي كان مفتوح على آخره، والصوت جوة كان ينذر بخراب مستعجل. أعمامه كانوا نازلين من على السلم ووشوشهم مظلمة بالخزي، عمو الكبير أول ما شافني طالعة بالشنط وقف، وبصلي بنظرة فيها مزيج من الخجل والاحترام، وقال بصوت مكتوم: “حقك علينا يا بنت الأصول.. إحنا ما كناش نعرف إن إبراهيم يوصل بيه الفجر للدرجة دي. أقسم بالله لو كنا نعرف إن الحجة دي والعفش ده من دهبك ودم قلبك، ما كنا وطأنا العتبة دي ولا قبلنا ناكل عندهم لقمة. أنتِ ست بميت راجل، وحقك هيجيلك ولو إبراهيم ما رجعلكيش حقك، أنا بنفسي هقف قدامه في المحاكم”.
هزيت رأسي بامتنان وقولتله بنبرة هادية بس حاسمة: “تسلم يا عمي، العيب مش عليك ولا على العيلة.. العيب على اللي أمنته على بيتي وحياتي وخان الأمانة وركب فوق شقايا عشان يتعالى عليا. أنا مش طالبة غير حقي وحق وصية أبا، وماشية بيت أبا مرفوعة الرأس”.
سيبتهم ونزلت، أخدت تاكسي ورحت على شقة أبا يرحمه. الشقة كانت مقفولة بقالها فترة، ريحة أبا والماضي كانت مالية المكان. أول ما فتحت الباب ودخلت، رميت الشنط على الأرض وقعدت على الكنبة القديمة اللي أبا كان بيقعد عليها لما يرجع مهدود من الشغل. بكيت.. بكيت مش ضعف، ولا حزن على إبراهيم، بكيت من كثرة التعب والضغط اللي كنت شايلاه جوة قلبي طول الأيام اللي فاتت وأنا بسبك الخطة دي في صمت وتحت عين إنسان كنت فاكراه ضهري وسندي.
بس الدموع ما طولتش. مسحت وشي وقومت فوراً، فتحت الشبابيك عشان الشمس والتجانس يدخلوا الشقة، وشغلت المكنة القديمة بتاعة أبا اللي كانت محطوطة في الصالة، وحطيت عليها زيتها، وجربت صوتها.. كانت بتشتغل بصوت منتظم وقوي، وكأنها بتقولّي: “أنا هنا، وشقاكي مش هيروح”.
في نفس الليلة، وبعد ما الخبر اتسرب في الشارع وفي المنطقة إن إبراهيم باع دهب مراته من وراها عشان يعمل مفاجأة لأمه ويسفرها الحج، المنطقة كلها بقت بتتكلم. الناس اللي كانت بتبص لإبراهيم إنه الشاب الخدوم المؤدب، بقت بتبصلة بنظرة ثانية خالص. زبايني اللي كنت بخيط لهم، وخصوصاً ستات المنطقة الكبار، بدأوا يتصلوا بيا يطمنوا عليا، والكل كان متضامن معايا بطريقة غير متوقعة. الستات في البيوت عارفين يعني إيه غوايش وشبكة تتسرق، وعارفين يعني إيه قرش الخياطة اللي بييجي من طلوع الروح.
ثاني يوم الصبح، نزلت على مكتب المحامي، الأستاذ مجدي، راجل مخضرم في قضايا الأحوال الشخصية والدعاوى الجنائية الخاصة بالأموال. قعدت معاه وقدمتله صور فواتير بيع الدهب، وصور إيصالات الخياطة والفواتير المكتوبة باسمي، وصور عقد شقة حماتي ودتار التوفير.
المحامي بص في الأوراق، وابتسم ابتسامة إعجاب وقالي: “يا مدام، أنتِ عملتي شغل محقق جنائي مش ست بيت! الأوراق دي والفواتير بتاريخها المضبوط، مع إثبات إنك شغالة وليكي دخل مستقل بالشهود والفواتير، يخلي موقفنا في النيابة زي الحديد. إبراهيم قدامه خيارين لا ثالث لهما: يا إما يدفع ثمن الدهب كاملاً بسعر السوق النهاردة ويكتب إقرار بدلك في الشهر العقاري، يا إما البلاغ اللي اتقيد الأمانة هيتحول لقضية جنائية وفيها حبس مباشر”.
قلتله وأنا حاطة إيدي على المكتب بثبات: “أنا مش عايزة أحبسه يا أستاذ مجدي.. أنا عايزة حقي المالي كاملاً، وعايزة أكسر الغرور والسيطرة الوهمية اللي كان فاكر إنها عنده. أنا عايزاه يعرف إن القرش اللي أخدوا مني بقلة قيمة، هيرجعهولي وهو بيتمنى أقبل منه
“.

