
المحامي هز رأسه وقال: “سيبيل الموضوع ده، أنا هبعتله إنذار رسمي على يد محضر بضرورة الحضور للمكتب للتسوية الودية قبل اتخاذ الإجراءات الجنائية والتحفظية، وهنحدد المبلع بسعر الجرام النهاردة، مش بالسعر القديم اللي هو باع بيه!”.
خرجت من عند المحامي ورجعت بيت أبا، وبدأت أجهز شغل الخياطة. بقيت بشتغل بضعف طالتي، الزباين بقوا يجيلوا بيت أبا مخصوص عشان يدعموني ويشجعوني. الشقة اللي كانت مقفولة تحولت لورشة حية بتطلع أرقى الفساتين والجلابيات.
بعد يومين، تليفوني رن.. كان إبراهيم.
ما رديتش من أول مرة، ولا ثاني مرة. سيبته يتصل لحد ما التليفون فصل، وبعدين اتصل تاني.. ردت في المرة الرابعة ببرود قاتل: “نعم يا إبراهيم؟”.
صوته على التليفون كان مكسور، خالي تماماً من النبرة العالية والغرور اللي كان بيكلمني بيه في شقتنا: “أنتِ فين يا بنت الناس؟ برن عليكي من الصبح ما بترديش.. المحضر جه وسلمني إنذار من المحامي بتاعك، إيه اللي أنتِ بتعمليه ده؟ أنتِ عايزة تخربي بيتي وتفضحي اسمي في شغل وفي الشارع؟!”.
رديت بهدوء: “أنا ما خربتش بيت حد يا إبراهيم، أنت اللي خربت بيتك بإيدك لما استحللت مالي وشقايا. والإنذار ده مجرد بداية. لو عايز تحمي نفسك من فضيحة أكبر ومن المحاكمة، قدامك 48 ساعة تيجي مكتب الأستاذ مجدي ومعاك المكتوب في الإنذار”.
قالي بصوت بيترجى: “يا بنت الحلال، المبلغ اللي المحامي كاتبه ضخم جداً! أنتِ كاتبة بسعر جرام الدهب بتاع النهاردة! الدهب اللي أنا بعته كان أقل من كده بكثير وقتها، الفلوس دي هجيبها منين؟ أنتِ عارفة إني ما حيلتيش المبالغ دي كلها كاش!”.
قلتله بقسوة شريفة: “دي مش مشكلتي يا إبراهيم. الدهب اللي أخدته كان دهب، والدهب مابيرجعش غير دهب أو بقيمته في السوق وقت الترجيع. زي ما استسهلت تبيع ملكي عشان تتفشخر بيه قدام أهلك وتعمل بيه العفي، اتصرف وهات قيمته النهاردة. روح بقى بيع من عقارات أُمك، أو خد من دفاتر التوفير بتاعتها اللي كنت عايز تجدد الشقة عشان تتمنن بيها عليها، أو استلف من إخوتك اللي كنت بتتفاخر قدامهم.. اتصرف يا إبراهيم، وقفل السكة في وشه”.
في نفس اليوم بالليل، لقيت الباب بيخبط. فتحت بالراحة وكنت مجهزة السلسلة الحديد على الباب. لقيت حماتي واقفة على الباب، ووشها باين عليه التعب والهم، وما كانتش لابسة جلابيتها الفخمة ولا حاجة، كانت باينة ست عجوزة مكسورة ومصدمة في ابنها.
فتحت لها الباب وقلتلها بجهامة: “اتفضلي يا حاجّة”.
دخلت وقعدت على الكنبة، وبصتلي والدموع في عينيها وقالت: “حقك عليا يا بنتي.. أنا جاية لحد عندك عشان أصلح اللي انكسر. إبراهيم ابن غبي، والغرور طمى عينيه، وكان فاكر إنه كده بيبق بيا، وما كانش يعرف إنه بيحرق بيته وبيحرقني معاه. أنا من يوم ما رجعت من الحج وأنا مش عارفة أنام، حاسة إن كل دعوة دعيتها هناك مرودة في وشي بسبب الفلوس المغصوبة دي”.
قلتلها بثبات: “أنتِ مالكيش ذنب يا حاجّة في اللي هو عمله، بس أنتِ سكتِ له وقبلتِ العفش والتجديدات وعشتِ في المفاجأة من غير ما تسأليه جبت منين وأنت عارفة حالته المادية كويس!”.
طأطأت رأسها وقالت: “عندك حق.. أنا طمعت وفرحت بالمنظر قدام القرايب، وكنت فاكرة إنه استلف أو اتصرف. بس وحياة بيت ربنا اللي زرته، أنا مش هسيب حقك يضيع. أنا فتحت دفتر التوفير بتاعي النهاردة، وجمعت كل القرشين اللي حيلتي، وأخدت إيصالات الأمانة اللي ليا عند الناس ورُحت استرديتها، وجبتلك المبلغ اللي المحامي طلبه بسعر الدهب النهاردة كاش!”.
طلعت من شنطتها كيس أسود كبير، وحطته على الترابيزة قدامي.
بصيت للفلوس، وبصيت لحماتي وقالت: “الفلوس دي منك أنتِ يا حاجّة، ومش من إبراهيم!”.
ردت بسرعة: “دي فلوسي، بس أنا هكتب إبراهيم بيهم وصولات أمانة وأخليه يبصم على تنازل عن نصيبه في شقة العيلة ليا، عشان يعرف إن الله حق، وإن القرش اللي أخدوا منك بالحرام، دفعه من لحمه وعقاره لأمه! أنا مش هسمح لابني يطلع نصاب وياكل حق ست شقيانة في بيتها”.
بصيت للفلوس اللي على الترابيزة، حست بانتصار غريب، بس الانتصار ما كانش مكتمل. الفلوس رجعت، وحماتي اتكسرت قدامي، وإبراهيم اتهان واتفضح وبقى مديون لأمه وم جرد صور مالية مكسورة.. بس جوايا كان في سؤال كبير: هل الفلوس دي كفاية عشان تمحي الخيانة؟ وهل مجرد استرداد حق الدهب يخليني أرجع لذمة راجل شافني خدامة وشقايا استباحة؟
قلت لحماتي ببرود شديد: “الفلوس دي تدخل مكتب المحامي بكرة يا حاجّة، وإبراهيم يجي يبصم ويكتب التعهدات الرسمية قدام الأستاذ مجدي، ويتكتب فيها إن كافة حقوقي المالية والشرعية المترتبة على الدهب والشغل اتسددت بالكامل.. وبعد ما الأوراق دي تتوقع… يجي الدور على القرار الكبير اللي إبراهيم ما كانش يتوقعه في حياته كلها!”.
حماتي بصتلي بخوف وقالت: “قرار إيه يا بنتي؟! أنتِ مش هترجعي له بعد ما تاخدي فلوسك؟!”.
ابتسمت ابتسامة غموض وقالتلها: “بكرة في مكتب المحامي، إبراهيم هيعرف القرار اللي هيخليه يندم على اليوم اللي فكر فيه يمس علبة دهبي!”.
