
السكرتيرة قفلت الخط قبل ما ينطق بكلمة.
طارق مسك التليفون ورمى بيه في النجيل بغل وحسرة. القوة اللي كانت عنده، الفشخرة اللي كان بيعملها قدام زمايله في الشركة، الكلمة اللي كان بيمشيها على مريم بكل جبروت لمجرد إنه فاكر إنها “صعبة ومحتاجة له”.. كل ده انهار في لحظة. افتكر يوم الجواز، لما مريم قالت له بابتسامة هادية وهي ماسكة إيده: “أنا مش عايزة منك غير إنك تتقي ربنا فيا يا طارق.. الفلوس والظروف بتروح وتيجي، بس الحنية والأصل هما اللي بيبقوا.”
ساعتها طارق افتكر إنها بتقول كده عشان هي “فقيرة” أو “مكسورة الجناح” ومالهاش عيلة تنصفها، فساق فيها وعاش دور البطل المعطاء اللي بيمن عليها بلقمة العيش!
— “أنا لازم أروح للمستشفى..” قال طارق وهو بيلف حوالين نفسه زي الفرخة المذبوحة. “أنا لازم أشوفها بنفسي. هي أكيد مش هتهون عليها العِشرة.. مريم بتحبني، أنا عارف إنها بتحبني! هي بس زعلانة عشان اللي حصل في القطر.. هروح أركع تحت رجلها وأطلب منها السماح، هي قلبها أبيض وست طيبة وبتسامح!”
فاطمة قامت وقفت وجريت عليه، مسكت في هدومه:
— “أيوة يا طارق! روح لها! استسمحها، اعتذر لها قدام كل الناس، وقولها إن فاطمة أختك كانت غبية وغلطانة وأنا مستعدة أروح أبوس رأسها وأخدمها وهي حامل لحد ما تولد! طارق إحنا لو اتفضحنا في العيلة وعمي عرف، وسر الشركة والتجميد ده اتعرف، إحنا هنسف التراب! شغلك كله يطير!”
طلعت فاطمة وطارق بيجروا على بوابة الكمبوند. أفراد الأمن كانوا واقفين بيبصوا لهم بنظرات ساخرة ومريبة. السائق الخاص اللي كان طارق بيؤمره وينهى عليه ويقوله “جهّز العربية يا حسن” جه وقف قدامه، وبص له بمنتهى البرود:
— “طليق الهانم.. الأستاذ طاهر بلغنا إن مفاتيح العربية الرينج روفر تسلمها فوراً، لأن العربية مسجلة باسم الشركة القابضة المملوكة لوالد مدام مريم، وحضرتك مالكش حق استخدامها بعد النهاردة.”
— “أنت بتكلمني كده إزاي يا جدع أنت؟!” صرخ طارق وهو بيفقد أعصابه. “أنت نسي نفسك ولا إيه؟!”
الحارس الرئيسي للكمبوند قرب بثبات وحط إيده على كتف طارق بقوة:
— “يا أستاذ طارق، بلاش مشاكل ونبي. أستاذ طاهر جابلنا أمر كتابي وإخلاء رسمي. المتعلقات الشخصية بتاعتك أنت وأختك هتتلم في شنط وتتحط برة البوابة الساعة 2 الضهر. لو سمحت سلم المفاتيح واطلع برة الكمبوند بهدوء عشان ما نطلبش النجدة وتعمل لنفسك فضيحة على الفاضي.”
طارق رمى المفاتيح في وش السواق، وجر أخته من إيدها وخرجوا برة الأسوار العالية.
الشمس كانت حارقة، والرصيف كان ناشف ومفيش حتى ظل يقعدوا تحته. طارق وقف على شارع التسعين في التجمع، التاكسيات بتعدي من قدامه وهو مش قادر يستوعب إنه من بضعة أيام كان بيمشي بالعربية الفارهة وبيأمر ويطاع، ودلوقتي واقف على الرصيف مش لاقي مكان يروح فيه!
— “هنروح فين دلوقتي يا طارق؟” فاطمة قعدت على الشنطة الصغيرة اللي كانت حايلاها في القطر وبدأت تعيط بانهيار. “الشارع؟ هنقعد في الشارع بالشنط؟!”
— “اسكتي بقى! اسكتي خالص!” زعق طارق وهو بيمسك دماغه اللي كانت هتتفجر. “على حدائق القبة.. هنروح لشقة ماما. هخلي البواب يكسر القفل أو نطرُد الساكن بأي طريقة.. تصرفي معايا تكسي بسرعة.”
أخدوا تكسي وطلعوا على حدائق القبة. المنطقة الشعبية القديمة اللي طارق كان بيستعار ينطق اسمها قدام صحابه وأصحاب مريم، وكان دايماً بيقولهم: “أنا سكنت في التجمع عشان بحب الهدوء والأماكن الراقية، لكن أملاكي التانية متوزعة.”
وصلوا العمارة القديمة. الشارع ضيق، والمبنى المتهالك والسلالم المكسورة كانت استبصار قاسي للواقع الجديد.
طلعوا الدور التالت، وطارق خبط على الباب بعنف شديد.
فتح الساكن، راجل كبير في السن ولابس جلابية، بص لطارق بضيق:
— “خير يا أستاذ طارق؟ في إيه بتخبط كده ليه كأن البيت بيولع؟”
— “عم إبراهيم.. أنت لازم تفضي الشقة دي فوراً!” قال طارق بصوت مرتعش. “أنا محتاج الشقة ضروري جداً النهاردة!”
الراجل العجوز بص له باستغراب وضحت ضحكة سخرية:
— “أفضي إيه يا ابني؟ أنت شارب حاجة على الصبح؟ أنا دافع الإيجار مقدم لسنة كاملة والعقد بتاعي ينتهي بعد سبع شهور! وفوق ده كله، أنا بكلم المحامي بتاعك وبحول الإيجار شهرياً على المكتـ— استنى كده! هو مش المحامي ده اللي كلمني امبارح بليل؟”
طارق جمد في مكانه:
— “محامي إيه؟ أستاذ طاهر؟!”
— “أيوة! الأستاذ طاهر كلمني وقال إن الشقة دي مكتوبة بعقد تنازل وهيحولي قيمة الإيجار لسنة كمان قدام بشرط إني ما أخرجش منها ولا أسمح لأي حد يدخلها إلا بأمره! وقال لو أنت جيت، أبلغ أمن المنطقة فوراً!”
طارق اتسند على الحيطة الزفرة بتاعة السلم. رجليه ما بقتش شايلاه.
مريم.. مريم ما سابتش ثغرة واحدة!
الست اللي كان فاكرها ساكتة، ومستكينة، ومش فاهمة حاجة في الدنيا غير القعدة في البيت والمطبخ.. طلعت متحكمة في كل خيط من خيوط حياته، ومحاصراه من كل اتجاه بمنتهى الذكاء والهدوء، من غير ما ترفع صوتها ولا تطلع كلمة واحدة العيب!
فاطمة قعدت على الدرج وبدأت تصوت وتلطم على وشها في وسط العمارة:
— “يا لهوي يا فضيحتنا! يا خرابي يا طارق! هنعمل إيه؟ هننام في الشارع؟!”
الجيران بدأوا يفتحوا البيوت ويطلعوا برؤوسهم يتفرجوا عليهم. طارق شد أخته بالقوة ونزلوا على الشارع وهو حاسس إن كرامته ونفسه عريانة قدام العالم كله.
— “لوكاندا..” قال طارق وهو بيهمس لنفسه. “هنأجر أوضة في لوكاندا رخيصة لحد ما الصبح يجي ونروح لمكتب الأستاذ طاهر.. لازم أحل الموضوع ده قانونياً، أصل هي ملهاش حق تعمل كده، أنا جوزها شرعاً وقانوناً ودا ابنها اللي في بطنها!”
قضوا الليل في لوكاندا متهالكة في وسط البلد. الأوضة كانت ضيقة، ريحتها رطوبة وصوت العربيات برة ما بيقفش. طارق ما قدرش ينام ثانية واحدة. كل ما يغمض عينيه، يشوف منظر مريم وهي واقفة جنب عربية البضائع في القطر، صامتة، عينها ثابتة عليه ببرود مرعب.. وبصوت القطر وهو بيبعد في محطة أسيوط.

