
رفعت عيني بخضة وكنت ، لقيته “طارق”… أخوه الكبير.
طارق كان عكسه في كل حاجة؛ راجل هادي، ملامحه رجولية بجد، ومالوش في اللف والدوران ومبيضحكش في الفاضية والمليانة زي أخوه. من أول يوم جم فيه البيت وهو قليل الكلام، بس عينيه كانت دايماً متابعة كل تفصيلة.
أول ما شافني طالعة وعيني حمرة من العياط، عدل وقفته وبصلي بنظرة كلها وجع واهتمام حقيقي، وقرب خطوة وقال بصوت واطي بس حنين يربك:
“أنتي كويسة يا نور؟”
اتلجمت، ورجعت خطوة لورا وركبي بتخبط في بعض: “أ… أه، كويسة، عن إذنك.”
جيت أعدي من جنبه، بس هو وقف قدامي بهدوء ومن غير ما يلمسني، عينه كانت مركزة في عيني بطريقة خلت قلبي يدق من الخوف والربكة. بص على باب الصالة ورجع بصلي وقال بنبرة هادية بس تقيلة أوي:
“أنا مش أعمى يا نور… وشايف كل حركة وكل بصة بتتعمل من ساعة ما دخلنا البيت ده. شايف الرخص اللي بيعمله، وشايف كمان حزنك وكسرة عينك اللي أنتي فكراها مدارية.”
فتحت عيني بصدمة وحسيت الهوا طار من صدري، لساني اتشل ومكنتش عارفة أنطق بكلمة واحدة.
طارق كمل وهو بيقرب أكتر، وصوته كان فيه صدق غريب ومشاعر واضحة مفيهاش ذرة تمثيل:
“من أول دقيقة عيني جت في عينك وأنا مش قادر أشوف غيرك… أنتي مش مكانك هنا، ولا تستاهلي المعاملة دي ولا الوجع ده من حد. لو كان هو فاكر إنه داخل البيت ده عشان يلوي دراعك ولا يذلك، فـ هو ناسي إن البيت ده فيه راجل تاني عينه عليكي ومش هيسمح لشعرة منك تتأذى.”
الكلام نزل عليا زي الصاعقة، كنت باصة له ومش مستوعبة، مكنتش مصدقة إن اللي كان مراقب ومستوعب النار اللي أنا فيها، واللي طلع شايل في قلبه مشاعر ليا من أول لحظة… يبقى هو نفسه أخو الراجل اللي دبحني.
فضلت واقفه مبرقة فيه، الهوا طار من صدري والدم هرب من عروقي. كنت حاسة إن الحيطان بتلف بيا وصوته بيرن في ودني ومش قادرة أستوعب كلمة واحدة.
طارق؟ أخوه الكبير؟ الراجل الهادي اللي كان قاعد طول القعدة راسي ومبيتكلمش، هو ده اللي مركز معايا ومع تفاصيلي وعارف اللي بين السطور؟
رجعت خطوة لورا بخوف وضهري خبط في باب الحمام، صوتي طلع مهزوز ومخنوق:
“أنت… أنت بتقول إيه؟ ابعد عني لو سمحت، اللي فيا مكفيني ومش ناقصة جنان!”
جيت أتحرك وأجري من جنبه، بس هو فضل واقف مكانه، ممدش إيده عليا ولا حاول ، بس نظرة عينيه كانت مثبتاني في مكاني، نظرة مليانة حزم مع حنية غريبة أول مرة أشوفها في راجل.
اتكلم بصوت واطي ومبحوح كأنه بيحفر كل كلمة في قلبي:
“مش هبعد يا نور… ومش جنان. أنا شوفتك من شهور لما كنتي بتوصلي أختك وبتستنيها تحت، ومن يومها وأنتي في بالي. ولما هو جه وقال إنه عايز يتقدم لمريم، أنا حسيت إن في حاجة غلط… ولما شوفت نظراته ليكي وابتسامته الصفرا وهو بيلبسها الخاتم، وشوفت عينيكي اللي كانت بتنزل دموع بدل الدموع دم… اتأكدت.”
حطيت إيديا الاتنين على وشي وبدأت أعيط بهستيريا من غير صوت، خايفة حد من الصالة يسمعنا. قرب خطوة واحدة، وصوته هدي أكتر وبقى أدفى:
“متعيطيش… دموعك دي بتدبحني أنا. هو واطي، وأنا عارف أخويا وطينته كويس. فاكر نفسه عشان لبس مريم الخاتم قدامك وبيغيظك بيها؟ والله العظيم ما هسيبه يتهنى باللي عمله، ولا هسيبك نفسك في السكات.”
رفعت وشي وبصيتله بكسرة وسألته بقهر:
“وهتعمل إيه يعني؟! خلاص كتبوا الكتاب! مريم أختي حتة من روحي، لو عرفت هتموت، وبابا لو عرف هيتكسر، وأنا… أنا
“مفيش فضايح هتحصل، وأختك هتفوق وتعرف حقيقته في الوقت المناسب ومن غير ما تتأذي… أما أنتي، فـ ليكي راجل هيعرف إزاي يخلي الواطي ده يندم على اليوم اللي فكر فيه . أنا مش هسيبك يا نور، وسرك في بير معايا لحد ما أقفل الحساب معاه بمعرفتي.”
وفجأة، سمعنا صوت مريم وهي بتنادي من الصالة بدلع:
“نور! أنتي فين كل ده؟ طارق فين كمان، مش كان وراكي؟ تعالوا نشرب الشربات!”
بصينا لبعض في ثانية واحدة… الخوف كان مالي عيني، بس طارق غمزلي غمزة هادية سحبت نص الخوف من قلبي، وهمس:
“امسحي دموعك وادخلي… وخليكي فاكرة، أنتي مش لوحدك من اللحظة دي.”
مسحت دموعي بسرعة، ودخلت الصالة ورا طارق والرجفة لسه ماسكة جسمي. أول ما دخلنا، عيني جت في عين الواطي اللي كان قاعد جنب مريم، والابتسامة الصفرا لسه على وشه، باصصلي بتحدي مستفز كأنه مستني يشوفني منهارة أكتر.
قعدنا، وأمي وزعت الشربات، والكل كان فرحان ومريم ساندة راسها على كتف جوزها بدلع. فجأة، طارق حط كاس الشربات على الترابيزة برنة هادية لفتت انتباه الكل، وعدّل قعدته وبص لبابا .
الصالة كلها سكتت، وبابا بصله باستغراب: “خير يا بني؟ في حاجة ولا إيه؟”
طارق ابتسم بوقار وهدوء، وتنحنح وقال بصوت جهوري مالي الصالة:
“خير يا عمي إن شاء الله… أنا قولت بدل ما هي فرحة واحدة، نخليهم فرحتين في بيتكم العامر. أنا طالب إيد الآنسة نور على سنة الله ورسوله، وجاهز لكل طلباتكم من الليلة دي، والفرح يكون مع مريم في نفس اليوم لو معندكوش مانع.”
الكلمة نزلت زي القنبلة في نص الصالة.
أنا اتسمرت مكاني والكاس كان هيقع من إيدي، وأمي شهقت من الفرحة والمفاجأة، ومريم صقفت بحماس طفولي: “بجد يا طارق؟! يا ريت يا بابا وافق والنبي ده إحنا نعمل أحلى فرح سوا!”
بس الصدمة الحقيقية مكنتش عندي… الصدمة كانت عند أخوه!
وشه اتقلب ميت لون، الدم هرب من ملامحه، وعينيه جحظت وهو باصص لطارق بذهول ورعب، ووقف فجأة من على الكنبة وقال بصوت مخنوق ومتردد:
“إيه اللي أنت بتقوله ده يا طارق؟! أنت اتجننت؟ إزاي تفكر في حاجة زي دي من غير ما تتكلم ولا تلمح حتى؟!”
طارق لف وشه ببرود قاتل، وبص لأخوه بنظرة حادة قاطعة خلت التاني يبلع ريقه وينكتم، وقال بنبرة هادية بس سمّعت الكل:
“ومالجأش ليه يا عريس؟ هي نور يعيبها حاجة؟ أدب وأخلاق وبنت أصول، ومفيش راجل عينه ويشوفها وميتمناهاش… ولا أنت عندك رأي تاني يخص خطيبتي؟”
الواطي اتلجم، وشه بقى أحمر زي الدم، شفايفه بتترعش ومش قادر ينطق بحرف واحد قدام أبوه وأبويا. كان عارف إنه لو فتح بؤه بكلمة، طارق هيكسره، ولو فكر يلمح بأي تهديد، السحر هينقلب على الساحر رسمي وقدام العيلتين.
بابا ابتسم بارتياح كبير، وبص لطارق اللي الكل يشهد بأدبه ورجولته وشغله المحترم، وقال:
“والله يا طارق يا بني أنت راجل وميتعيبش، وإحنا يشرفنا نناسبك للمرة التانية… بس الرأي الأول والأخير للعروسة.”
الأنظار كلها لفت وبصتلي، وطارق رفع عينه في عيني بنظرة أمان عمري ما حسيتها في حياتي، نظرة كأنها بتقولي: “ارفعي راسك، حقك هيرجعلك لحد عندك”. بصيت لأخوه اللي كان هيطق ويموت من الغيظ والقهر، وأخدت نفس طويل لأول مرة من شهور، وابتسمت وقولت بصوت واضح:
“موافقة يا بابا.”
الزغاريد رجعت ملت البيت تاني بضعف، وبابا شد طارق في حضنه بحرارة وهو بيقرأ معاه الفاتحة، وماما دمعت من الفرحة إن بناتها الاتنين هيتجوزوا في ليلة واحدة.
في وسط الهيصة دي كلها، وائل كان واقف زي المجنون، عينيه بتطق شرار، وعروق رقبته ناطرة من كتر الغيظ والعجز. كل ما حد يباركله على أخوه، يبتسم ابتسامة باهتة تكتم غله بالعافية. كان بيحترق؛ السحر اتقلب عليه، والبنت اللي كان فاكر إنه داس عليها وهيمشيها على عجين ميتلخبطش بتهديده، فجأة بقت خطيبة أخوه الكبير وراسها براسه!
أول ما الكل انشغل في السلامات والكلام، انسحبت بهدوء ودخلت المطبخ عشان أهرب من التوتر وأشرب بق مية يبل ريقي الناشف.
