
الجملة دي وقعت عليا كأن السقف انهار فوق راسي. فريدة ماتت؟ ووالدها كمان؟!
قومت وأنا مش حاسس برجليا، نزلت زي المجنون رايح المستشفى. طول الطريق وش فريدة المكسور ونظرة عيونها الأخيرة مكانوش بيفارقوني. وصلت المشرحة، والدنيا كانت بتلف بيا وأنا شايف الملاية البيضا بتترفع عن وشها. كانت ملامحها هادية، صافية جداً، ومفيهاش أي أثر للألم.. بس أنا كنت بموت في جلدي ألف مرة من وخز الضمير والندم اللي بدأ ينهش في روحي.
أخو فريدة الصغير كان واقف بره منهار، أول ما شافني مقرب جري عليا ومسكني من قميصي، وعيونه كلها شرار وغضب:
“جاي تعمل إيه هنا؟! جاي تكمل عليها؟! فريدة نزلت إمبارح منهارة، وبابا لما لقاها كده أصر ياخدها الفجر يسافروا إسكندرية يغيروا جو عشان متشوفش وشك تاني.. ذنبها في رقبتك أنت يا أناني!”.
الناس فضت الخناقة بالعافية، ومكنتش قادر حتى أرد ولا أدافع عن نفسي. دفنتها ودفنت عمي، ورجعت شقتي زي الميت الحي. الشقة اللي كنت فاكر إني هرتاح فيها من غير صوتها بقت مقبرة سكون بتصرخ في وشي في كل ركن.
دخلت أوضة النوم، وفجأة عيني جت على التسريحة. كان فيه كشكول صغير لونه أزرق هي كانت بتكتب فيه بعد ما صوتها راح، وجنبه علبة قطيفة حمرا صغيرة شكلها جديد.
قربت بإيد بتترعش وفتحت العلبة؛ كان فيها خاتم فضة قيم محفور عليه اسمي وتاريخ اليوم اللي اتجوزنا فيه. فتحت الكشكول على آخر صفحة كانت كاتباها قبل ما أطردها بساعات قليلة:
“عارفة يا كريم إن صوتي تعبك ومسببلك إحراج قدام الناس، وعارفة إنك مش قادر تستحملني كده.. الدكتور كلمني أول إمبارح وقالي إن فيه عملية دقيقة جداً في ألمانيا نسبة نجاحها 80% عشان ترجع الأحبال الصوتية لحالتها، ومكنتش عايزة أقولك غير في حفلة تكريمك عشان تكون مفاجأتي ليك مع الهدية دي.. كنت عايزة أقولك بصوتي الجديد إني فخورة بيك يا سندي. بس خلاص.. واضح إنك مكنتش محتاج صوتي.. أنت مكنتش محتاجني أنا من الأساس. سامحني لو كنت عبء عليك”.
الصفحة كانت مبلولة بآثار دموعها الجافة.
ساعتها، وفوق السرير الفاضي، انهرت في عياط هستيري لأول مرة في حياتي. قعدت أصرخ بصوت عالي جداً لحد ما حسيت إن حنجرتي بتتقطع، كنت بنادي على فريدة وعايزها ترجع بس عشان أقولها إني أسف، إني أعمى، وإني خسرت الجوهرة الحقيقية عشان شوية قشور فارغة.
بس الصراخ مكنش هيرجع اللي راح.. والبيت فضل ساكت، سكون قاسي هيفضل يعاقبني بيه طول ما فيا نفس بيطلع وبينزل.
مرت شهور على اليوم ده، وأنا محبوس جوة جدران الشقة، رافض أخرج ورافض أقابل أي بني آدم.
الشركة اللي ضحيت بفريدة عشان ترقيتي فيها، بعتتلي جواب إنهاء خدمة بعد ما غبت أسابيع ومبقتش أرد على تليفوناتهم. المنصب والمظاهر والبدل الشيك اللي كانت كل همي، بقوا مجرد كراكيب مركونة في الدولاب بتاكلها العتة. بقيت عايش على المسكنات والمهدئات، وكل ما عيني تغفل دقيقة، أسمع فحيح صوتها المبحوح وهو بيترجاني، أو أشوف نظرة عينها المكسورة وهي بتمسح دموعها قبل ما تنزل من العربية.
في ليلة من ليالي الشتا، وأنا قاعد في الصالة في الضلمة، حسيت بألم حارق في زوري. كتمت أنفاسي وافتكرته دور برد عادي، بس الألم بدأ يزيد مع كل نفس باخده، وبدأ يمتد لرقبتي وصوتي يختفي تدريجياً.
لما الألم مبقاش يُحتمل، نزلت المستشفى بنفسي الفجر. دخلت الطوارئ، والدكتور حوّلني فوراً لاستشاري أنف وأذن وحنجرة.
قعدت على نفس الكرسي اللي فريدة قعدت عليه من سنة. الدكتور دخل المنظار من مناخيري لزوري، وبدأ يفحص وهو ساكت، وكل ما يمر الوقت، ملامحه كانت بتتقبض وتتحول لجمود مرعب.
طلع المنظار، وقلع الجوانتي ببطء شديد، وبصلي بنفس النظرة اللي حفظتها زمان، وقال:


