روايات وقصص

عزومه الاخير

وقفت قدام باب مبنى المأمورية، الشارع كان زحمة والأصوات دوشة حواليا، بس جواه كان في هدوء صلب، هدوء الست اللي مرت بالنار وخرجت منها ذهب خالص ما بيحترقش. بابا وأخويا كانوا واقفين جنبي، بابا بصلي بحنان وقال: “أنتِ مش مجبرة تدخلي يا بنتي، لو مش عايزة تشوفيه إحنا نمشي حالاً.”

بصيت لبابا وابتسمت ابتسامة هادية وقلت له: “لا يا بابا.. أنا هدخل. مش عشان أسمع منه سر، بس عشان يشوفني وأنا واقفة على رجلي، ويفهم إن الكسرة اللي أرادها ليا ولأهلي رجعت في قلبه هو.”

دخلت الأوضة المخصصة للزيارات، الجدران كانت باردة وريحة المكان تقيلة. بعد دقائق، الباب اتفتح ودخلوه.. كان محاط بالكلبشات، هدومه دبلانة، وشو أصفر وهالات سودة غويطة تحت عينيه، شعره اللي كان دايماً بيهتم بيه وشايف نفسه بيه بقى منكوش ومطفي. أول ما شافني، عينيه دمعت والخطوة اتجمدت في رجله.

قعد على الكرسي المقابل ليا، وبدأت إيديه المكلبشة تترعش وهو بيحاول يحطها على الترابيزة. بصلي بنظرة رجاء واستعطاف وقالي بصوت مبشوح: “شكراً إنك جيتي يا فلانة.. أنا ما كنتش متوقع إنك توافقي تشوفيني بعد كل اللي حصل.”

رديت عليه ببرود وجمود، وحطيت إيدي في إيد بعض وقلت: “أنا جيت عشان أسمع السر اللي قلت للضابط إنك لازم تقولهولي قبل ما تترحل.. انطق يا فلان، وقتي مش ملكك.”

وطى رأسه في الأرض، ودموعه نزلت على الترابيزة، وقال بنبرة مليانة حسرة وندم: “أنا اتدمرت يا فلانة.. أمي ضيعتني، رميتني في النار وسابتني أتحرق لوحدي. أول ما المقبوض عليا حصل، ودخلت حجز التخشيبة، هي ما جتش حتى تزورني ولا جابت لي محامي نظيف! كل اللي فارق معاها إنها تلم قرشين من ورانا وتأمن نفسها.”

سكت لحظة وكأنه بيحاول يجمع أنفاسه، وبعدها كمل بصوت واطي ومخيف: “أنتِ فاكرة الست اللي جوزوهالي في السر؟ الست دي ما كانتش قريبتا ولا حاجة زي ما أمي فهمتك وفهمت العيلة.. الست دي تبقى بنت عم أمي، وأمي كانت مديونة لأبوها بمبلغ كبير جداً من أيام جواز أختي الكبيرة، ومبلغ ثاني أخدته منها عشان تعمل بيه تجارة وخسرت! لما ما قدرتوش تسددوا الفلوس، طمعوا في الشقة وفي فلوسي، وأمي اتفقت معاهم إنها تجوزني بنتها عشان تسقط الديون، واستغلت إنك عروسة جديدة ومكسوفة عشان تطفشك وتخلي الشقة ليها ولعيلتها الجديدة!”

بصيت له بذهول.. السواد اللي كان في البيت ده كان أعمق وأقذر مما أتخيل! حماتي ما كانتش بس ست متسلطة وبتحب العزومات، دي كانت شاطرة في المتاجرة بابنها وبحياتي وبمشاعري عشان تغطي على أطماعها وفشلها المالي!

كمل وهو بيصرخ بصوت مكتوم: “أمي هي اللي كتبت صلب الورقة اللي على بياض! هي اللي أصرت عليا أرفع القضية وأزور التوقيع! كانت بتقولي: دي بت غلبانة وأهلها هيترعبوا من السجن وهيسلموك كل حاجة وتتنازل عن المؤخر والشقة! أنا مشيت وراها زي العمى، وصرت أداة في إيدها لحد ما لبستني في حيطة سد! هي دلوقتي واخدة الفلوس اللي فاضلة وراحت عاشت عند أختها، وسايباني هنا أعفن في السجن3 سنين!”

 

قمت وقفت، ونفضت عبايتي بثبات وقلت له: “أنت فاكر إن الكلام ده هيغير حاجة؟ أنت مش مجني عليه يا فلان.. أنت جاني. أنت اللي وافقت تكون أداة، أنت اللي سمحت لأمك تطرد بابا وماما، وأنت اللي اتمادت في التزوير وخيانة الأمانة. أمك زرعت الشوك، وأنت حصدته بإيديك. والست اللي اتجوزتها في السر، والديون، والسجن.. دي عقوبة ربنا ليك في الدنيا قبل الآخرة.”

مسك طرف الترابيزة وصرخ بالدموع: “ارجوكي يا فلانة! سامحيني! اطلبي من أباكي يتنازل عن قضية النفقة والتمكين، أنا كده هطلع من السجن على الشارع ماليش أي حاجة! أمي ضحكت عليا وأنا بقيت على الحديدة!”

بصيت له بابتسامة نصر صغيرة وقوية وقلت له: “حق أهلي وكرامتهم ما بيتباعوش ولا بيتشتروا. الشقة أخدتها بالقانون، والقائمة والدهب استرديتهم، والطلاق أخدته برقعة رقبتك.. وأنت هتقضي سنتك وثلاث سنينك في السجن بتفكر في اللحظة اللي طردت فيها أهلي من بيتك. سلام يا فلان.”

لفيت ظهري ومشيّت بخطوات واثقة، وصوته وهو بينادي عليا وبيعيط بيتردد في الأوضة، بس الباب الحديد اتسد ورايا وحجب صوته للأبد.

خرجت الشارع، والشمس كانت ساطعة ودافية. بابا وأخويا استقبلوني بالأحضان، بابا مسك إيدي وقالي: “خلصت يا بنتي؟”

قلت له مرفوعة الرأس: “خلصت يا بابا.. والصفحة السودة دي انطوت للأبد.”

مرت الشهور.. ورجعت لحياتي ولنفسي. بدأت أطور من شغلي، وفتحت مشروعي الخاص في الطبخ والحلويات من البيت، بس المرة دي بحب وبشغف ولناس يقدروا تعبي، والمشروع كبر وبقى لي اسم وسمعة ممتازة.

أما حماتي؟ فبعد ما ابنها اتسجن والفضائح لفت المنطقة والعيلة كلها، أهل زوجته الثانية استولوا على الفلوس اللي كانت معاها بحجة ديونهم القديمة، وطردوها من بيتهم. أصبحت بتلف على قرايبها تدور على لقمة ومأوى، والكل بقوا يتهربوا منها ومن عزوماتها اللي كانت بتتبهر بيها، بعد ما عرفوا إنها كانت بتطعمهم من عرق وقهر عروسة مظلومة.

وفي يوم، وأنا قاعدة في شغلي الجديد ومبسوطة بوسط أهلي، رن جرس الباب.. فتحت، ولقيت شخص ما كنتش متوقعة إني هشوفه تاني أبداً واقف قدامي، ومحمل بمفاجأة جديدة هتغير كل الخطط اللي كنت فاكرة إنها استقرت…

وقفت قصاد الباب ودمي جمد في عروقي لثواني. الشخص اللي كان واقف قدامي ما كانش حد غير أخت حماتي.. الست اللي كانت بتيجي مع عيالها كل أسبوع تقعد وتأكل المحشي والبشاميل وأنا واقفة على رجلي في المطبخ بالساعات، الست اللي سمعت أختها بتهينني وتطرد أهلي وكانت بتضحك وتهزر وكأن مفيش بني آدمة بتتكسر قدامها!

بس المرة دي، ما كانتش الست الهانم المتألقة اللي بتدخل تتأمر. كانت واقفة ولابسة عباية دبلانة، وشها شاحب، وتحت عينيها سواد يبين إن الأيام دارت عليها وجمعت كل حساباتها. وكانت ماسكة في إيدها شنطة سوداء كبيرة، وجنبها بنت صغيرة غلبانة باين عليها الخوف والكسرة.

بصيت لها بجمود ورفعت حتة من حسبي وأنا ماسكة الباب بثبات وقلت ببرود: “خير يا هانم؟ جاية ليه وبيتكوا اللي هناك أظن اتقفل بالضبة والمفتاح، ومفيش هنا محشي ولا كفتة ولا حد يخدمكم.”

الست أول ما سمعت كلماتي، عينيها اتملت دموع، ونزلت على إيدها تحاول تمسك إيدي وهي بتشهق بصوت مكسور: “يا بنتي سامحيني.. وحياة أغلى ما عندك اسمعيني بس خمس دقائق! أنا مش جاية أطلب منك أكل ولا جاية أدافع عن أختي.. أنا جاية أنقذ رقبتي من ذنب كبير، وجاية أرد لك حاجة أختي كانت مخبياها عنك وعن الدنيا كلها!”

بابا وأخويا سمعوا الصوت وخرجوا وقفوا ورايا. أخويا أول ما شافها، خطى لقدام وقال بحدة: “أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ أنتِ وأختك ما سبتوش فينا حتة سليمة، اتفضلي امشي من هنا بدل ما أطلب لك الشرطة!”

الست بكت بحرقة وقالت لبابا: “يا حاج فلان.. وحياة ربنا أنا مظلومة في الحكاية دي وشربت من نفس الكأس! أختي المفترية دي ما سابتش حد ما أذتوش. هي بعد ما ابنها اتسجن، راحت عاشت عندي في البيت، وبدل ما تتعدل، بدأت تعمل معايا ومع عيالي نفس اللي كانت بتعمله مع بنتك! كانت عايزة تمشي البيت على مزاجها وتسرق مصاريفنا، ولما وقفت في وشها، طردتني من بيتي واستولت على فلوس التجارة اللي كانت بيني وبين جوزي المرحوم!”

وقفنا كلنا بنسمع بذهول من حجم السواد اللي جوة الست دي! أختها اللي كانت بتساندها وتيجي تحضر العزومات، بقت هي الضحية الجديدة لجبروتها وطمعها.

كملت أخت حماتي وهي بتفتح الشنطة السوداء المربوطة بإحكام: “أختي لما سابت شقتك قبل ما تتمكنوا منها، راحت لمستودع قديم تحت العمارة، وكانت مخبية فيه صندوق خشبي مقفول. أنا شفتها وهي بفتحه بالليل وبتقلب في أوراق وشهادات ذهب وحاجات غريبة. ولما اتخانقت معاها وطردتني، استغليت إنها برة وفتحت الصندوق وركبت التاكسي وجيت لك هنا فوراً.. الصندوق ده فيه حقك وحق ناس ثانية أختي كانت نصبت عليهم من سنين!”

فتحت الشنطة وطلعت صندوق خشبي قديم عليه قفل مكسور، وحطته على الترابيزة قدام بابا. بابا قرب بهدوء، وفتح الصندوق، وبدأ يقلب في الأوراق اللي جواها.. وفجأة، عيون بابا وسعت، وشه يتغير، ورجعت إيده لوراء وهو بيقرأ ورقة معينة بصوت مكسور ومذهول!

الورقة كانت عقد بيع ابتدائي ومسجل لقطعة أرض كبيرة ومبنى في البلد باسم أم جوزي (حماتي)، والأرض دي كانت ملك لأبويا أنا من أثر من 15 سنة! بابا كان بايع الأرض دي لتاجر زمان والتاجر ده نصب عليه واختفى بالفلوس، اتاري التاجر ده ما كانش غير أخو حماتي الشقيق! وهما اتأمروا مع بعض وسرقوا شقى عمر بابا، وحماتي هي اللي كانت كاتبة الأرض باسمها ومخبية العقود طول السنين دي!

يعني الجوازة دي كلها من أولها لآخرها ما كانتش صدفة! حماتي وجوزي لما عرفوا إنني بنت فلان، أصروا على الجوازة عشان يكسروا عين بابا، وعشان يضمنوا إن بابا ما يتدورش على حقه في الأرض أو يشك فيهم، ولما شافوا إنني ممكن أعرف أو أطلب بحق أهلي، قرروا يطفشوني ويطردوا أهلي عشان أخرج بكرامتي المكسورة وأسيب كل حاجة ورايا!

أنا وقفت مش قادرة أستوعب البجاحة والغل.. البيت اللي كنت بظن إنني دخلته بعقد جواز شرعي، كان عبارة عن شبكة عصابية خططت لسرقة شقى بابا وكسرة نفسي ونفس أهلي!

أخويا مسك الأوراق وإيديه بتترعش من الغضب وقال: “يعني الأرض اللي ندبت صحة بابا عشانها وفضلنا طول عمرنا بنسدد في ديونها، كانت تحت إيد الست دي؟!”

أخت حماتي هزت رأسها بالبكاء وقالت: “أيوه يا ابني.. هي وأخوها عملوا الحركة دي زمان، وعاشوا من خير الأرض دي، وكانت دايماً تتباها قدامنا إنها كسبت الحرب ضد أباكم وقدرت تكسر عينكم وتستغل بنتكم خدامة عندها بدال الفلوس اللي كانت فاكرة إنها حقها!”

بابا قعد على الكرسي، وحط إيده على قلبه. جريت عليه وأنا بدمع وقلت: “بابا.. ارجوك أهدي، حقك رجع، ربنا ما بيسبش حد مظلوم!”

بابا رفع رأسه ونظرته اتغيرت تماماً.. المرة دي ما كانش فيها حزن ولا كسرة، كان فيها جمر شعلة انتصار وعدالة. بص لأخويا وقال له بنبرة حاسمة هزت البيت: “اتصل بالمحامي فوراً يا ابني.. الأوراق دي مش بس بترجع لنا أرضنا وشقانا، دي توديها وتودي أخوها السجن جنب ابنها المزور! ربنا جابهم تحت رجلين بنتي لحد بيتها!”

أخت حماتي قالت بتوسل: “أنا اديتكم الصندوق عشان خايفة من ربنا، وعشان تبعدوا شرها عني وعن بنتي.. أرجوكم ما تدخلونيش في المشاكل.”

 

في نفس الليلة، المحامي بتاعنا أخد الأوراق والعقود، ورفع قضية تزوير واستيلاء على ممتلكات بالنصب والاحتيال ضد حماتي وأخوها. وصدر أمر استدعاء عاجل من النيابة ضبط وإحضار لحماتي وأخوها اللي كانوا فاكرين إن سرهم اندفن من سنين.

لما الشرطة راحت تفتش البيت القديم وتقبض على حماتي، لقوها قاعدة وسط الأوهام بتزعق وتصرخ، وأول ما شافت المحضر ومعه أمر القبض بتهمة سرقة الأرض وتزوير عقود بابا، جتلها حالة انهيار عصبي وصارعت عشان تهرب، بس الكلبشات اتقفلت في إيدها زي ما اتقفلت في إيد ابنها من قبل!

اتسحبت حماتي قدام الشارع كله، الجيران اللي كانت بتتباهى قدامهم بالعزومات والأصل والنسب، شافوها وهي متسلسلة بتهمة النصب والسرقة. الشارع كله كان بيبص لها بقرف وشماتة، والكل كان بيكرر جملة واحدة: “دعوة العروسة المظلومة جابت أجلهم جميعاً!”

وبعد أسبوع واحد من حبس حماتي على ذمة القضية، وتحويل الأرض رسمياً لبابا بقوة القانون.. وقفت قدام مرايتي في أودتي. بصيت لنفسي وشوفت ست ثانية خالص.. مش العروسة المكسوفة اللي كانت بتقول “حاضر” وهي بتغسل الصحون والدموع في عينها. شوفت ست قوية، أخذت حقها وحق أهلها، وكسرت كل إيد امتدت ليها بالإهانة.

لكن الأحداث ما وقفتش هنا.. لأن في الليلة اللي سبقت جلسة المحاكمة الكبرى اللي تجمع حماتي وابنها وأخوها في قفص الاتهام الأخير، جالي جواب متقفل من جوة السجن، مكتوب بخط إيد جوزي، وبيكشف المفاجأة الأكبر والأخيرة اللي هتغير حياتي للابد…

مسكت الجواب بإيدين ثابته، ما فيهمش نقطة رشة ولا خوف. فتحت الظرف الخفيف، وخرجت منه ورقة دبلانة ومكرمشة، مكتوبة بخط إيد جوزي اللي كان بيترعش وهو بينقش الحروف جوة زنزانته.

كان كاتب:

“إلى فلانة.. الست الوحيدة اللي ظلمتها ودمرت حياتي لما بعتها عشان أوهام أمي. أنا بكتب لك الجواب ده وأنا خلاص بعاني سكرات الموت بالبطيء جوة السجن. أنا عرفت إن أمي وخالي اتكتب عليهم الحبس في قضية سرقة أرض أباكي.. وعرفت إن ربنا أخد حقك مننا واحد واحد وبأبشع طريقة. أنا مش بطلب منك تسامحيني، لأن الذنب اللي عملته فيكي وفي أهلك ما يغتفرش.. بس بكتب لك عشان أريح ضميري من أخر سر كان مكسور جواه.”

“السر يا فلانة.. إن العزومات اللي كانت أمي بتجبرك تعمليها من أول أسبوع جواز، ما كانتش عزومات لله ولا محبة في القرايب.. أمي كانت متفقة مع العيلة كلها على إنهم يضغطوا عليكي ويستهلكوا صحتك وفلوس أباكي اللي كانت بتاخدها مني، عشان نطفشك ونخليكي تطلبي الطلاق بنفسك وتتنازلي عن كل حقوقك وذهبتك وقائمتك! هما كانوا فاكرين إنك بنت غلبانة ومكسورة الجناح وهتهربي وتسيبيلنا الجمل بما حمل.. بس هما جهلوا إن وراكي راجل زي أباكي وأخوكي، وجهلوا إن ربنا ما بيسيبش حق مظلوم.”

“أنا تنازلت رسمياً عن أي دعوى أو ورقة، وبعت لك مع المحامي ورقة إبراء ذمة شاملة، وبقر فيها إنك أخدتي كل حقوقك وزيادة.. وأمي خلاص أخدت جزاها وبقت معزولة عن الدنيا كلها. سامحيني لو قدرتي.. ولو ما قدرتِيش، فحقك في رقبتي ليوم الدين.”

نزلت الورقة على الترابيزة.. وبصيت للأفق من شباك أودتي. ما حسيتش بغل، ولا حسيت بشماتة.. حسيت ببرودة ونقاء عجيب بيغسل قلبي. العدالة الإلهية لما بتتدخل، بتمحي كل أثر للوجع والكسرة.

جه يوم المحاكمة الكبرى.. الجلسة اللي جمعت حماتي، وابنها، وأخوها النساب في قفص اتهام واحد.

وقفت أنا وبابا وأخويا في قاعة المحكمة المليانة بالناس والأهالي. القفص اتفتح، ودخلوا الثلاثة..

حماتي كانت ماشية بصعوبة، كبرت عشر سنين في بضعة أسابيع، شعرها شاب، وشها انكمش، وعينيها زي الشمع المطفي. أخوها كان مطأطأ رأسة في الأرض من الخزي والفضائح اللي لاحقته في البلد. وجوزي كان واقف في زاوية القفص، لابس بدلة السجن، وعينيه مثبتة عليا بنظرة حسرة وألم ما توصفش.

أول ما عيون حماتي جت في عيني، حاولت تخبي وشها بإيدها، المتبجحة اللي كانت بتصرخ وتطرد أهلي من اللقمة وتطالبني أكون خدامة، بقت مش قادرة ترفع عينها في عين العروسة اللي أرادت تكسرها!

القاضي اعتلى الخشبة، وهدأت القاعة تماماً. وبعد استعراض الأدلة، والتقرير الطبي الشرعي للتزوير، وعقود الأرض المسروقة المثبتة بالأوراق الرسمية، صرخ صوت القاضي بالحق ليجلجل في القاعة:

“حكمت المحكمة حضورياً:”

أولاً: بحبس المتهم الأول (الجوز) بالسجن المشدد لمدة ثلاث سنوات بتهمة التزوير وخيانة الأمانة.

ثانياً: بحبس المتهمة الثانية (الحماة) والمتهم الثالث (أخوها) بالسجن المشدد لمدة خمس سنوات، مع إلزامهم برد قطعة الأرض وكافة المستحقات المالية والتعويض المادي المناسب لحق المجني عليه (بابا).

صوت الشاكوش نزل على الطاولة زي السيف اللي قطع أخر خيط من الكابوس!

حماتي صرخت ووقعت على الأرض أغشي عليها جوة القفص، وجوزي حط إيده على وشه وقعد يبكي بحرقة، والأمن سحبهم جميعاً للخارج وسط نظرات الاحتقار والشماتة من كل اللي حضروا الجلسة.

خرجنا من باب المحكمة.. الشارع كان دافي، والهواء نقي وبيشرح الصدر.

بابا أخدني في حضنه، ودمعة فرح ونصر نزلت من عينيه وهو بيبوس رأسي ويقولي: “رفعني رأسنا يا بنتي.. وحقك وحق شقايا رجع لحد عندنا بالميللي.”

أخويا مسك إيدي وقال بابتسامة صلبة: “بيتك وعزوتك مفتوحين لك طول العمر يا عروسة.. وأي إيد تفكر تمس شعرة منك، نقطعوها قبل ما تلمسك.”

النهار ده.. وبعد مرور سنتين كاملين على الأحداث دي:

مشروعي الخاص بالطبخ والحلويات كبر وبقى شركة صغيرة ليها اسمها وسمعتها، وبقيت بشتغل بشغفي وحبي، وبكسب بعرق جبيني وكرامتي.

حماتي وابنها أخدوا جزاءهم القانوني والإلهي، والعيلة اللي كانت بتستغلني وتتغذى على قهرتي تشتت وأصبحت أضحوكة المنطقة والبلد.

رجعت لبيتي وأهلي نفس العروسة العزيزة الغالية، بس بقلب أصلب، وعقل أوعى، وروح عارفة قيمة نفسها كويس. تعلمت إن السكوت على الإهانة مش أدب.. ده خيانة للذات، وإن البيت اللي ما يترحبش فيه بأهلك وكرامتك، يتهدم فوق رؤوس أصحابه ولا إنك تعيشي فيه مكسورة.

وقفت قدام مرايتي، ابتسمت لنفسي ابتسامة صافية وقوية، وحطيت إيدي على قلبي وقلت: “الحمد لله الذي أبدلني بعد الخوف أماناً، وبعد الكسرة عزاً ونشراً.”

وتنطوي الصفحة السودة.. لتفتح حياة جديدة ملهاش سقف غير السماء والكرامة!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى