روايات وقصص

طلقت مراتي اماني السيد الاخير

” (حسن كان حلف يسمى الولد صابر على اسم عمها الغلبان كنوع من رَد الجميل).جوة الأوضة، الصريخ هدي فجأة.. وبداله طلع صوت بكا صغير، رفيع، بس ملى الشقة دفا ونور.الدكتورة خرجت وهي مبتسمة وقالت: “مبروك يا حسن بيه، ولد زي الورد، يتربى في عزك.”حسن دخل الأوضة وعينه مليانة دموع، بص لهند اللي كانت عرقانة ووشها دبلان بس ضحكتها منورة الدنيا. قرب منها وباس راسها وإيدها وقال وصوته بيتهدج: “حمد الله على سلامتك يا أم صابر.

. حمد الله على سلامتك يا ست الستات.”الحاجة فاطمة خدت الواد، لفته في شال حرير كشميري، وأذنت في ودنه، وبصت لحسن وقالت: “السبوع بكرة يا حسن، وهيدبح فيه تلات عجول في الدوار، والبلد كلها تاكل وتدعي لولد الجبالي.”هند بصت لحسن وقالت بنبرة هادية فيها رجاء: “يا حاجة، الدوار دوارنا والخير خيركم.. بس أنا ليا طلب عندك وعند حسن.”حسن قال علطول: “رقبتي ليكي يا هند، اطلبي.

“قالت: “أنا عايزة السبوع يبقى هنا، في شقتنا العتبة السعيدة اللي وشها كان خير علينا، والغلابة بتوع البلد وأهل أبويا هما اللي يقعدوا في صدر المكان ويوكلوا الأول.”الحاجة فاطمة اتأثرت بكلامها، وعرفِت إن البت دي بتعلمها الأصول من أول وجديد، أصول الرحمة والعدل. وقالت: “اللي تقوليه يمشي يا بت الأصول، وكلمتك من هنا ورايح مش هتنزل الأرض واصل.”يوم السبوع، الشارع كله كان منور بالأنوار، والحلقات والذكر شغالين تحت المحل. صابر الصغير كان يلف بين الإيدين، والكل فرحان لحسن اللي رجعت له هيبته وضحكته وسط تجار المحلة.

وفي وسط الزحمة، هند كانت واقفة في البلكونة تبص على جوزها وهو واقف تحت بيوزع اللحم والخير على الناس بوش بشوش. لقت مرات أبوها واقفة في ركن الشارع، بتبص لها بحسد وغل، بس هند المرة دي مبصتلهاش بزعل.. بصتلها بشفقة.عرفت إن اللي بيصبر على جرحه ويرضى بنصيبه، ربنا بيبدله من بعد الخوف أمن، ومن بعد الضيق سعة. حسن طلع الشقة في وسط الهيصة، دخل البلكونة ووقف وراها، حط إيده على كتفها وبص في عينيها وقال: “بتفكري في إيه يا أم صابر؟

“لفت وبصت له وعينها بتلمع بالفرحة: “بفكر في كرم ربنا يا حسن.. وبفكر إن الباب اللي اتقفل في وشي زمان، ربنا فتح لي مكانه جنة.”حسن شدد على إيدها وقال: “انتي الجنة يا هند.. وانتي اللي عمرتي البيت.”وانتهت الحكاية والدوار ملى بالصوت والضحكة، والكل عرف إن البيوت مابتتبنيش بالمال والجاه، البيوت بتبنيها النفوس الطيبة والست الأصيلة اللي بتعرف تِصبر وتِصون. ومرت السنين، وصابر الصغير مابقاش صغير، بقى يدب في الأرض، والبيت اللي كان مقفول بالتراب بقى مليان بحسه ولعبه.

حسن وسع تجارته، وبقى اسمه يتردد في السوق كله بالأمانة والشطارة، وكل ما كان يكسب قرش، كان يدخل البيت يحطه في حجر هند ويقولها: “ده مالك يا أم صابر، انتي قدم السعد عليا.”وفي يوم، وهند قاعدة بتطرز جلباب صغير لصابر، لقت حسن داخل من برة، وشه مخطوف وفيه علامة استفهام كبيرة. قعد جمبها وهز راسه وقالي بصوت واطي: “سبحان مغير الأحوال يا هند.. شوفت مين النهاردة في السوق؟”هند حطت الشغل من إيدها وبصتله: “مين يا ولد عمي؟ خير؟”حسن اتنهد وقال: “شوفت نهى.. طليقتي.”هند قلبها دق دقة زيادة، بس ثبتت، ملامحها ماتغيرتش ولا ظهر عليها الغيرة، سألت بنبرة هادية: “جرالها إيه؟

“حسن قال وهو باصص في الأرض: “جوزها اللي اتجوزته بعدي طلع راجل قاسي، أكل حقها ورمى عليها اليمين بعد ما خد قرشينها اللي حيلتها، وراكبة قطار الفقر وراجعة بيت أبوها مكسورة. شوفتها واقفة تشتري قماش من محل جمبي، وعينها جت في عيني.. انكسفت وبصت في الأرض ومشيت قوام.”حسن سكت، وكان بيختبر رد فعل هند.. كان عايز يشوف البنت اللي شالت معاه المر هتعمل إيه لما الماضي يرجع يظهر وهو ضعيف.هند خدت نفس طويل، وقربت منه ومسكت إيده وقالت: “الدنيا دوارة يا حسن، بس احنا ولاد أصول، والست دي في يوم من الأيام كانت مرتك وعلى ذمتك.

. لو احتاجت مساعدة، أو أبوها ضاق بيه الحال، ابعتلهم من برة لبرة من غير ما حد يعرف إنك أنت، ستر الناس واجب، وربنا سترنا لما كنا محتاجين الستر.”حسن بص لهند، وحس إن جبل من الاحترام بيكبر ليها في قلبه. قام وباس راسها وقال: “أنا كل يوم بكتشف إني اتجوزت الست الصح. ربنا يخليكي ليا ولبيتك.”وفي نفس الليلة، الباب خبط، وكان محمود أخو حسن الكبير. دخل وعلامات الاستعجال على وشه: “الحق يا حسن، أُمك الحاجة فاطمة تعبانة قوي في الدوار، وبتنده عليك وعلى مرتك.

“حسن وهند جروا على الدوار. دخلوا الأوضة الكبيرة، لقوا الحاجة فاطمة نايمة على السرير، وشها دبلان، بس أول ما شافت هند، مدت إيدها المرتعشة ليها. هند جريت عليها وقعدت على ركبتها جمب السرير ومسكت إيدها: “سلامتك يا حاجة، ألف سلامة عليكي.”الحاجة فاطمة بصت لحسن وقالت بصوت متهدج: “يا حسن.. أنا خلاص العمر بيودع، والواحد مش ضامن يقابل ربنا امتى. أنا ندهتلكوا عشان أقول الكلمة دي قدام أخوك الكبير وقدام ربنا.. هند دي يا حسن هي اللي صانتك وصانتني. أنا ظلمتها في الأول، بس هي قابلت ظلمي بالمعروف. أمانة عليك يا ولدي، شيلها في عيونك، وماتزعلهاش واصل، دي بركة بيت الجبالي.

“هند دمعت وبوّست إيد الحاجة فاطمة: “مسامحاكي يا أمي من زمان، انتي مقامك مقام أمي اللي اتحرمت منها، والبيت بيتك واحنا خدامينك.”الحاجة فاطمة ابتسمت براحة، وغمضت عينيها وهي حاسة إنها مأمنة على ابنها وعلى عيلتها مع الست الصح.البيوت بتميل، والمحن بتهز الحيطان، بس الأصل الطيب هو اللي بيسند السقف من الوقعان. هند ما كانتش مجرد جوازة سد خانة ولا خطوة لنسيان الماضي.

. هند بقت هي الأساس، والعمود اللي اتبنى عليه كل فرحة دخلت حياة حسن الجبالي.وبعد سنين، لما صابر بقى راجل واقف جمب أبوه في المحل، كان حسن دايماً يبص له ويقوله جملة واحدة حفظهاله: “يا بني، لما تيجي تتجوز، ما تنقيش اللي تسد عين الناس.. نقي اللي تسد معاك في الأيام الوعرة وتصون سرك، زي أمك.. ست الستات.”

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى