
الساعة جاب 6 الصبح.
الشمس بدأت تطلع، وشريف ما كانش غمض له جفن. عينيه كانت حمرا كأنها دم، والأوراق كانت متناثرة ومليانة شخبطة وأرقام غلط. الميزانية كانت أصلح ما تكون لورقة لعبة مش لميزانية شركة مقاولات كبرى.
مسك الشنطة بتاعته بأيد بتترعش، وحط فيها الملف زي ما هو.
داليا كانت قاعدة على الكنبة، طافية ومكسورة، وبصت له وهي بتقول:
— هتعمل إيه يا شريف؟
شريف بص لها بنظرة ميتة وقال:
— هروح الشركة.. وهحاول أترجى الأستاذ مجدي يدينا مهلة يومين. ولو ما وافقش.. يبقى خلاص، حياتنا اللي كنا عايشينها انتهت.
خرج شريف من البيت، وداليا فضلت قاعدة لوحدها في الصالة المكركبة. المكان كان ريحته مش حلوة، بقايا الدليفري بتاع امبارح مرمية على السفزة، والأطباق غرقانة في الحوض. لأول مرة من أربع سنين، داليا تحس بالبيت ده قد إيه كئيب وتقيل من غير وجودي.
في نفس الوقت، الساعة 8 الصبح، أنا كنت قاعدة في بلكونة الزمالك، بلكونة مطلة على الشجر والشوارع الهادية. كنت ماسكة فنجان الشاي باليانسون الدافئ، وبقرأ الجريدة اليومية بنظارتي، وفي حالة من الهدوء النفسي اللي ما حسيتش بيها من يوم ما حسن الله يرحمه .
التليفون رن. كان عماد.
— صباح الخير يا طنط سعاد. جاهزة؟
— صباح النور يا عماد. جاهزة لإيه؟
— المحضر في طريقه حالياً لبيت شريف وداليا لتسليم التنبيه الرسمي بالإخلاء أو دفع الإيجار. وفي نفس الوقت، موكلي في قسم الشرطة بيجهز المحضر الخاص بطلب معاينة لإثبات حالة الأضرار والتعديات اللي تمت على الجزء الخاص بيكي في الدور الأرضي.
ابتسمت بهدوء وقلت له:
— تمام يا عماد.. كمل إجراءاتك القانونية عادي جداً.
— وطب وبخصوص شريف والشركة؟
تنهدت وقلت:
— شريف دلوقتي في مكتب الأستاذ مجدي يا عماد.. والنتيجة أنا عارفها كويس من غير ما أكون هناك.
في مكتب شركة المقاولات بمدينة نصر، الساعة 8:45 صباحاً.
شريف كان واقف قدام مكتب الأستاذ مجدي، والملف المفتوح كان محطوط بين إيدين مجدي، اللي كان بيقلب في الصفحات ببطء
مجدي رفع رأسه وبص لشريف بنظرة ساردة وخالية من أي رحمة:
— هي دي الميزانية المعدلة يا شريف؟
شريف بلع ريقه وصوته كان بيترعش:
— يا.. يا فندم، أنا حاولت أظبط الفروق الضريبية، بس الأرقام كانت محتاجة وقت أطول.. لو حضرتك تديني مهلة 48 ساعة بس..
مجدي قفل الملف بقوة وبص لشريف وقال:
— إنت فاكرني غبي يا شريف؟ إنت فاكر إن الأرقام اللي إنت جايبها لي دي تدل إنك فاهم حاجة؟ الأرقام دي تأكد لي الحقيقة اللي كنت شاكك فيها من السنة اللي فاتت.. إنت عمرك ما عملت ميزانية صح في حياتك. كان فيه حد تاني بيعملها لك، والشخص ده ما بقاش موجود عشان يصلح لك خيبتك!
شريف اتجمد في مكانه، الشفايف بتترعش، وما قدرش ينطق بكلمة واحدة.
مجدي مسك التليفون وسحب السماعة:
— أهلاً يا شؤون العاملين.. الأستاذ شريف الشناوي، أخصائي الحسابات، صدر قرار بإيقافه عن العمل فوراً وتحويله للتحقيق المالي بشبهة الإهمال الجسيم والتزوير في التقارير المباشرة. يلم حاجته ويسلم الكارنيه والأجهزة فوراً.
سماعة التليفون اتردّت، وشريف حس إن الأرض بتدور بيه. كل بنيانه اللي بناه على الكذب، وعلى استغلالي، وعلى حساب صحتي وكرامتي، انهار في ثواني معدودة.
خرج شريف من الشركة وهو ماشافش قدامه، التليفون في جيبه كان بيرن برقم داليا.
لما رد، جاله صوت داليا وهي بتصرخ وتبكي:
— شريف! المحضر واصل تحت البيت ومعاه ورقة رسمية من المحكمة! وبيقول لو ما دفعناش 25 ألف جنيه أو أخلينا المكان خلال أسبوعين، هينزلوا تنفيذ جبري! والبنك اتصل بيقال إن قسط العربية متأخر وهيسحبوها! اتصرف يا شريف!
شريف وقف في نص الشارع، ودموعه نزلت لأول مرة من سنين، وقال بصوت مكسور:
— خلاص يا داليا.. مفيش تصرف.. أنا أطردت من الشغل.
داليا سكتت الناحية التانية، والصدمة كانت أكبر من أنها تستوعبها. البيت انهار، والفلوس راحت، والمكانة الاجتماعية اللي كانت بتتفاخر بيها راحت في وباء.
وفي نفس اللحظة دي، أنا كنت نزلت من شقة الزمالك، وتمشيت في الشارع الهادي، ودخلت سوبر ماركت صغير نزهي.
اشتريت علبة شاي، وبعض الفواكه الطازجة، وحاجات بسيطة تكفيني.
وقفت قدام الكاشير، الشاب الصغير ابتسم لي وقال:
— الحساب 180 جنيه يا طنط.
طلعت محفظتي الحمرا، طلعت المبلخ وهدوء، ودفعت، وأخدت الباقي، وابتسمت له.
وأنا طالعة من السوبر ماركت، حسيت بنسيم الصباح يلمس وشي. لأول مرة من سنين طويلة، كنت حاسة إني حرة.. حرة من الاستغلال، وحرة من الضعف، وحرة من كذبة إن الأم لازم تحرق نفسها عشان ولادها يدفوا.
داليا وشريف كانوا فاكرين إن الجزء الرابع ده هيكون النهاية للقصة.. لكنهم ما كانوا يدركون إن دي كانت مجرد بداية الحساب الحقيقي اللي هيدفعوه.. مش بس في المحاكم وفي الشارع، لكن في حياتهم اللي اتقلبت رأس على عقب بدون وجود “سعاد”.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

