
الشارع كان فاضي، والصوت الوحيد اللي كان مالي الهدوء هو صوت غمّة أربع سنين. أربع سنين وأنا ساكتة، بقول “معلش دي بنتي”، “معلش عشان خاطر العيال”، “معلش عشان ما أخربش البيت”. بس المعليش دي كانت بتاكل في صحتي وعافيتي وفي كرامتي اللي هنتها بإيدي يوم ما صدقت إن الفلوس هي اللي بتشتري الحب والأمان.
هي ما كانتش تعرف إن السكتة اللي بتبقى قبل العاصفة، كانت عندي اللي قبل القرار.
طلعت موبايلي من الشنطة. أيدي كانت بتترعش، بس مش من الخوف، من الأدرينالين اللي بقاله سنين متجمد في . طلبت رقم “عماد”.
عماد ده ما كانش مجرد محامي، ده كان صاحب عمري أنا وأبوه حسن الله يرحمه. كان زي ابني اللي ما خلفتهوش، والوحيد اللي كان يوم ما بعت القديمة وكتبت الفلوس باسم داليا وشريف بحجة الشرا في الدور الأرضي.
رد عماد من أول رنة:
— أهلاً يا طنط سعاد.. خير؟ صوتك مش عاجبني، إنتِ فين؟
وقفت تحت عامود نور مطفي في شارع جانبي، ونفخت نفس طويل وقلت له:
— عماد.. أنا في الشارع. وسبت داليا. ومش راجعة هناك تاني.
السكوت ساد الناحية التانية لثواني، وبعدها جاني صوته جاد :
— إنتِ فين بالظبط يا طنط؟ أنا جايلك حالاً.
— أنا جنب السوبر ماركت الكبيرة اللي في شارع الطيران. تعال خذني يا عماد.. بس قبل ما تجيلي، عايزة أسألك سؤال واحد.. الوديعة والتوكيل اللي كنت عملتهولك من سنتين، لسه شغالين؟
صوت عماد تغير، وبقى فيه نبرة ارتياح غريبة:
— الوديعة مقفولة وباسمك إنتِ وبس يا طنط، والتوكيل الرسمي العام في الشؤون القانونية والمالية معتمد وزي الفل.. إنتِ أخيراً قررتي ولا إيه؟
— قررت أوقف دفع الثمن يا عماد. تعال خذني.
في الوقت ده، كان السوبر ماركت في حالة هرج ومرج. داليا واقفة قدام الكاشير، وشها جايب ألوان، الطابور وراها بيطول، والنظر ات اتجمعت عليها. 3 عربيات مليانين من كل ما لذ وطاب، والناس مستنية، والكاشير واقف ماسك الإيصال ومستني الدفع.
شريف جوزها كان بيتصل بيها كل خمس دقايق:
— إيه يا داليا؟ التاكسي هيجيب الحاطة إمتى؟ زمايلي في الطريق وعزومة مديري في الشغل دي هي اللي متوقف عليها ترقيتي! الأكل جاهز؟ الحاجة اتجابت؟
داليا كانت بتحاول تجمع شتات نفسها وهي بتزعق في التليفون بصوت واطي ومختنق:
— شريف! أمك سابتني ومشيت! سابت الـ 3 عربيات واقفين ومضيتش بالكارت!
— بقولك سابتني وخرجت! خدت محفظتها ومشيت! والناس كلها بتتفرج عليا هنا!
— طب اتصرفي يا داليا! سيب المشتريات وتعالي بسرعة عشان تحضري الأكل! زمايلي على وصول!
داليا سابت العربيات في نص السوبر ماركت وخرجت تجري وهي بتغلي من الغضب. كانت حاسة جنب الرطوبة بتعيط ومستنية الستار لما يترفع عشان تتأسف.
لكن اللي داليا وشريف ما كانوش يعرفوه.. إن الـ 21 ألف جنيه بتوع الأكل دول كانوا أصغر حاجة في القائمة.
الحاجة الحقيقية اللي أنا قررت أوقف دفعها الليلة دي.. كانت “الخدمة السرية” اللي شريف وداليا عايشين عليها من أربع سنين من غير ما يحسوا.
شريف كان شغال مدير مالي في شركة مقاولات متوسطة. والشركة دي كانت بتمر بأزمة، وشريف عشان يبان الخبير اللي بي نقذ الشركة، كان بياخد الملفات والحسابات المعقدة الميزانيات ويجيبها البيت.
أنا.. سعاد.. اللي كانوا فاكرينني مجرد كراكيب في البيت، كنت رئيسة حسابات سابقة في وزارة المالية لمدة 35 سنة قبل ما أطلع معاش.
كل الميزانيات المكسورة، وكل القوائم المالية اللي شريف كان بياخد عليها مكافآت وترقيات ويتقال عليه “العبقري اللي بيحل المعضلات”، أنا اللي كنت بقعد بالساعات على مكتبه بالليل، بنظارتي القراءة، أظبطهاله، وأحل اللوغاريتمات المالية، وأعدل الأخطاء اللي كانت ممكن توديه في داهية أو تطرده من شغل.
مش بس كده..
دي الشقة اللي هما عايشين فيها، الأرضية اللي اتبنى عليها الدور الأرضي ده.. العقود بتاعتها كانت مكتوبة بشرط جزائي وبند صريح في الشراكة القانونية: “حق الانتفاع الكامل والإدارة المالية للمبنى لصالح سعاد عبد الحميد طالما هي على قيد الحياة، ولا يجوز التصرف أو استغلال العقار إلا بموافقتها الكتابية”.
هما كانوا فاكرين إن البيع كان نهایی وإن الفلوس راحت في الأرض. كانوا فاكرين إن السكوت ضعف، وإن السن كبر وخرف.
عماد جالي بالعربية. ركبت جنبه، بص لي بابتسامة دافية وقدم لي أزوزة مية وعلبة شاي يانسون مقفولة زي اللي كانت في إيدي في السوبر ماركت.
— ها يا طنط سعاد.. على فين؟ على شقتي ولا على الفندق؟
— ولا هنا ولا هنا يا عماد. خدني على شقة الزمالك.
عماد بص لي بصدمة وابتسم:
— شقة الزمالك؟! إنتِ لسه مأجراها؟


