
عشت طول عمري أعافر وأعدّي الأيام عشان المركب تمشي. جوزي الله يرحمه “سيد” كان راجل طيب ومكفي بيته، لكن من كام سنة دخلت حياتنا “غادة”، البنت الصغيرة اللي اتجوزها سيد عليّ.
وقتها الدنيا اسودت في وشي، وكنت ناوية آخد بناتي وأمشي، لكن أمي الله يرحمها قالتلي:
“يا بنتي اعدلي ، ما تخربيش بيتك. هو مش أول ولا آخر راجل يتجوز، سيبيه يلف ويرجع لبيته.”
غادة خلفت بنت وولد، وأنا كان معايا بنتين، وعشنا كلنا في العيلة الكبير.
البيت كان عبارة عن ثلاث طوابق. الطابق الأول كانت قاعدة فيه حماتي “الحاجة حكمة” مع بنتها الصغيرة “سحر”، والطابق التاني كان المرحوم قاسمه بيني وبين غادة، والطابق التالت كان بتاع أخوه الأصغر “حسن”.
حسن كان متجوز “شيرين” ومعاه ولد، وكان شغال مع أخوه في التجارة.
المركب كانت ماشية، لحد ما جه اليوم الأسود.
سيد كان راجع من مشوار تجارة بعيد، وعربيته اتعرضت لحادث على الطريق.
الخبر نزل علينا زي الصاعقة.
مات سيد، وساب أربع أطفال وزوجتين، وساب وراءه بيتًا كاملًا مليان حزن وقلق وأسئلة عن المستقبل.
عدت أيام العزا بالعافية، وجاء موعد الأربعين.
أنا وغادة كنا عايشين في حالة من الحيرة. كل واحدة فينا كانت بتفكر هتعمل إيه بعد وفاة سيد، خصوصًا إننا عايشين في بيت العيلة، وحسن أخو المرحوم موجود هو ومراته.
وفي يوم الأربعين، نزلت أنا وغادة للحاجة حكمة عشان نستأذن منها ونقول لها إننا هنرجع عند أهلنا فترة، لحد ما نرتب حياتنا ونشوف مستقبل الأولاد.
لكن أول ما قلت:
“يا حاجة، إحنا هنلم حاجتنا ونمشي عشان قعدتنا مبقتش تنفع…”
لقيت عينيها احمرت.
وقامت وقفت وحطت إيديها في وسطها وقالت بصوت غاضب:
“تمشوا تروحوا فين؟ عيال ابني مش هيطلعوا من البيت ده! اللي تتجرأ وتاخد عيال ابني وتمشي بيهم، أنا مش هسمحلها!”
أنا وغادة وقفنا مذهولين.
وفجأة الحاجة حكمة نادت بأعلى صوتها:
“يا حسن! انزل لي حالًا!”
حسن نزل وهو فاكر إن في مصيبة.
بصت له أمه وقالت الكلمة اللي صدمتنا:
“إنت هتتجوز حريم أخوك يا حسن، عشان تربي عيال المرحوم وما يدخلش عليهم راجل غريب!”
حسن بص لها بذهول:
“إنتِ بتقولي إيه يا أمي؟ أتجوز الاتنين؟ أنا أصلًا متجوز ومعايا ولد، وحالي على قده! هصرف على كل ده منين؟ مستحيل!”
الحاجة حكمة بصت لنا إحنا الاتنين، وقالت بحسم:
“خلاص يا حسن، اختار واحدة منهم تتجوزها وتربي عيالها، والتانية أنا عارفة هتصرف معاها إزاي.”
بصتلي بنظرة خلت قلبي .
حسن وقف مرتبك، وعينه راحت ناحية غادة.
وبعد لحظات قال:
“أنا… أنا هتجوز غادة، عشان عيالها لسه صغيرين ومحتاجين رعاية.”
غادة وشها نور.
أما أنا فتنفست براحة.
الحمد لله.
كنت مستعدة أواجه أي شيء، لكن فكرة إني أتجوز أخو جوزي وأدخل في نفس الدوامة مرة تانية كانت فوق احتمالي.
لكن فرحتي ما كملتش.
فضلت واقفة لوحدي قدام الحاجة حكمة وحسن.
الحاجة حكمة قربت مني وقالت:
“إنتِ يا هدى مالكيش عيش في البيت ده خلاص. هتسيبي العيال هنا وتطلعي من غير حاجة.”
اتجمدت مكاني.
وقلت:
“أسيب بناتي؟! إنتِ بتقولي إيه؟ دول بناتي!”
ضحكت وقالت:
“العيال عيال أبوهم، ومكانهم هنا. وإنتِ لو عايزة تمشي، امشي.”
حسن كان واقف ساكت، لا بيتكلم ولا بيتدخل.
جريت على بناتي وضميتهم لصدري وأنا بترعش.
وفي نفس الليلة، حماتي طلعت ومعاها سحر وشيرين مرات حسن.
دخلوا عليّ، وبدأوا يجمعوا هدومي في شنطة واحدة.
الحاجة حكمة مسكتني من دراعي وقالت:
“يلا بره.”
ورمتني خارج البيت.
البنات فضلوا يصرخوا:
“أمي! مش عايزين نمشي من غير أمنا!”
حسن حاول يمنعهم من الخروج، وأنا خرجت لوحدي في ظلام الليل.
الشارع كان فاضي والبرد شديد، ومعايا شنطة هدوم مبهدلة وقلبي مكسور.
مشيت وأنا مش شايفة قدامي من الدموع، لحد ما وصلت لبيت أهلي.
أخويا محمود أول ما فتح الباب وشاف منظري، اتجنن.
قال وهو بيغلي من الغضب:
“مين اللي عمل فيكي كده؟! والله لأروح أجيب البنات بنفسي ومحدش يقدر يمنعني!”
أمي الله يرحمها مسكت إيده وقالت:
“اهدَى يا محمود. الشدة مش بتجيب حق. البلد ليها كبار وليها قانون، وحق أختك وبناتها مش هيضيع.”
تاني يوم الصبح، محمود جمع كبار العيلة، وراحوا يتكلموا مع كبار عيلة سيد.
لكن الحاجة حكمة كانت مجهزة كلامها.
“أنا مأكلتش حقها. هي اللي سابت العيال ومشت. والعيال عايشين في خير أبوهم. لو عايزة تيجي تشوفهم، أهلًا وسهلًا، لكن تاخدهم وتمشي؟ ده مش هيحصل.”
اتكلم الكبار كتير، لكن المجلس انتهى من غير ما يرجع لي حقي.
رجعت بيت أهلي وأنا حاسة إن كل الأبواب اتقفلت في وشي.
مسحت وبصيت لمحمود:

