
الكلمة نزلت على راس جاسر زي الصاعقة.. “مراتي وبنت عمي”؟!
الأرض لفت بيه، وحس إن الهواء خلص فجأة من صدره. بص لندى بذهول، عينيه بتتحرك بينها وبين عاصم الشريف كأنه مش مستوعب. الكاس اللي كان فى إيد دينا اتهز ووقع على الأرض من كتر الصدمة والغيظ.
الصحفيين والمصورين اللي كانوا واقفين بدأوا يهمسوا بذهول، والفلاشات بقت تنزل على وش جاسر ودينا بغزارة عشان تسجل الموقف.
ندى قربت خطوة واحدة لقدام، ريحة عطرها الهادي سبقتها.. وقفت قصاده بكل شموخ، رمت عينيها في عينيه، ومالت عليه سنة صغيرة وقالت بصوت هادي وواثق:
“فاكر يا جاسر لما طلقتني قصاد الهانم دي؟ فاكر لما قولتلي إنتي ملكيش ضهر ورميتلي الشنطة فى الشارع؟ قولتلك يومها إن الدنيا بتلف.. وإن الحق بيرجع لصحابه.”
لفت وشها بدينا اللي كانت مش قادرة تنطق بحرف، وابتسمت ندى ببرود:
“ومبروك عليكي يا مدام دينا.. شيليه بقى، لأن بعد نص ساعة من دلوقتي الشغل والشركات اللي معتمد عليها هتكون تحت المراجعة القانونية الكاملة.”
جاسر بلع ريقه بصعوبة، لسانه كان متخشب فى بقه، حاول يتكلم أو يبرر، وخرج صوته مبحوح ومرتعش:
“ندى.. انتي بتقولي إيه؟ ده.. ده كان سوء تفاهم، إنتي عارفة أنا كنت مضغوط إزاي.. إنتي أكيد مش هـ…”
عاصم الشريف قاطعه بابتسامة سخرية خفيفة، ورفع إيده شاور باستهانة لحراس الأمن اللي كانوا واقفين على أطراف القاعة:
“الأشكال دي متقعدش ثانية واحدة زيادة هنا.. الحفلة دي معمولة لرجال الأعمال، مش للناس اللي بتستغل حقوق غيرها.”
وفى ثواني، كان اتنين من الحراس واقفين ورا جاسر ودينا، واتفضلوا برا القاعة بهدوء منعاً للإحراج أكثر من ذلك.
أول ما الباب اتقفل ورا ضهر جاسر ودينا، والضحكات والمجاملات رجعت تدندن فى القاعة، ندى سحبت نفس طويل وحست بتقل السنين كله بينزاح من على صدرها دفعة واحدة. بصت فى الفراغ للحظة، ورجع بيها شريط الذكريات لورا.. لسنين سابت فى روحها ندوب.
افتكرت لما كان لسه فى بداية طريقه، داخل عليها بعينين مكسورة ووعود معسولة: “لو وقفتي في ضهري يا ندى هنبقى فى حتة تانية.. ده إنتي الخير والبركة يا حبيبتي.”
وساعتها صدقته بقلبها الأبيض ورمت معاه كل ما تملك عشان تفتح الشركة الصغيرة دي، وتعبت معاه، وكانت السند والضهر، ومسمعتش منه كلمة شكر واحدة لما الحظ ابتسمله والدنيا بدأت تفتح عليه.
بدل ما يشيلها، طمع.. ولما بدأت تلمح إن فلوسها لازم ترجع باسمها، استغل سذاجتها وقلة حيلتها، خلاها تمضي على أوراق وهي مش فاهمة، وسحب البساط من تحت رجليها لحد ما لقى نفسه صاحب الشأن والكلمة. ولما واجهته، طردها بشنطة هدومها فى نص الليل، ولفّت على مكاتب المحامين ودموعها مش بتنشف، وكان الرد إن الأوراق للأسف في صالحه.
الكل قفل بابه فى وشها، وقصتها بقت حكاية بيتهامس بيها مجتمع رجال الأعمال عن طريقتها في الخروج من حياة جاسر اللي بدأت معه من الصفر.
وسط السواد ده كله، لقت إعلان صغير عن وظيفة سكرتيرة فى مجموعة “عاصم الشريف”. راحت المقابلة بعينين حزينة لكن كان فيها كبرياء وإصرار إنها تاكل لقمة عيشها بشرف.
أول ما دخلت مكتبه، عاصم اتأملها بهدوء.. كان عارف حكايتها كويس من كلام الناس فى السوق، وكان متفاجئ إن الست اللي مرت بكل الغدر ده، واقفة قدامه بمنتهى العزة والهدوء. شغلها فوراً، ومع الأيام، بدأ يشوف فيها الست الأصيلة؛ ذكائها فى الشغل، وأمانتها، وقوتها اللي مخبياها ورا ملامحها الهادية.
لقى قلبه بيتشد ليها يوم عن يوم.. حبها باحترام وعوضها عن كل لحظة انكسار، وقرر بقلبه وعقله إن كرامتها وكسرتها دين فى رقبته لازم يرده أضعاف، وفتح ملفات جاسر بالقانون والذكاء لحد ما جاب مناخيره الأرض.
فاقت ندى من ذكرياتها على صوت عاصم وهو بيقرب منها، وبنبرة دافية مليانة حنية وفخر همس جنب ودنها:
“سرحتي فى إيه يا ست البنات؟”
ابتسمت ندى، وعينيها بتلمع بنصر حقيقي عمرها ما حسته، وبصت فى عينيه اللي شافت فيهم أمان الدنيا كله وقالت:
“سرحت فى عدالة ربنا يا عاصم.. كنت فاكرة إني اتكسرت خلاص، بس ربنا كان بيجهزلي اللحظة دي، وعوضني براجل حقيقي يشيلني فوق راسه.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

