روايات وقصص

حكايات رشا خالد 1

بصيتله.
— أي حاجة.
مسك الموبايل ودخل البلكونة.
وده لوحده كان غريب.
أحمد عمره ما كان بيخرج البلكونة علشان يطلب أكل.
فضلت قاعدة مكاني.
وبعد ثواني، سمعت صوته.
واطي جدًا.
ما قدرتش أسمع الكلام.
لكن أكيد ماكانش بيتكلم مع مطعم.
لأن المكالمة طولت.
قمت بهدوء.
قربت من باب البلكونة من غير ما يشوفني.
سمعته بيقول:
— أنا قلتلك ما تتصليش دلوقتي.
سكت شوية.
وبعدين:
— ظهرت.
قلبي وقف.
سكت تاني وهو بيسمع اللي في الناحية التانية.
وبعدين قال:
— أيوه… الاتنين.
وبعد لحظة:
— قدمت اعتراض.
إيدي بدأت ترتعش.
مين اللي بيكلمها؟
وإيه اللي “ظهر”؟
والاتنين إيه؟
سمعته يقول:
— أنا هتصرف… بس إنتِ ما تعمليش أي حاجة من عندك.
رجعت بسرعة وقعدت مكاني قبل ما يفتح باب البلكونة.
دخل.
بصلي.
— الأكل نص ساعة وييجي.
قلت:
— تمام.
قعد قصادي.
وأنا لأول مرة في عشر سنين جواز كنت ببصله وحاسة إني معرفش الشخص اللي قدامي.

خرج أحمد من الأوضة، وأنا فضلت قاعدة في مكاني مش قادرة أتحرك. الصوت اللي سمعته في البلكونة كان بيرن في ودني: “أنا قلتلك ما تتصليش دلوقتي… ظهرت… الاتنين… قدمت اعتراض.”
الكلمات مكانتش محتاجة تفسير، لكن عقلي كان رافض يستوعب حجم الصدمة. الراجل اللي عايشة معاه تحت سقف واحد بقالي عشر سنين، اللي شاركته كل تفصيلة في حياتي، مخبي عني حياة كاملة. حياة فيها طفلين اتولدوا على اسمي، وعلى تأميني، وفي الأوقات اللي كنت فيها بره البيت!
طلعت الموبايل بهدوء، وأيدي بترتعش، وفتحت كشف الحساب البنكي المشترك اللي كنا عاملينه عشان التجهيزات. قعدت أقلب في السحوبات القديمة.
في يوليو 2018… كان فيه سحب نقدي بمبلغ كبير قبل يوم الولادة بيومين.
وفي نوفمبر 2021… سحب تاني، ومبالغ متقطعة كانت بتروح لمستشفى خاص ولصيدليات كبيرة.
القطع بدأت تتجمع في دماغي زي كابوس. أحمد مش بس كان عارف، أحمد هو اللي رتب وتنفيذ كل حاجة.
سمعت خطواته قريبة من الأوضة، حطيت الموبايل تحت المخدة وسندت رأسي على الكنبة وعملت نفسي تعبانة. دخل أحمد، وبصلي بقلق ظهر في عينيه، لكن المرة دي عرفت إنه قلقان من اللي ممكن أعرفه، مش عليا ولا على الحمل.
قعد جنبي وحط إيده على كتفي:
— مريم… إنتِ كويسة؟ وِشك أصفر ليه؟
بصيت لإيده اللي على كتفي، وحسيت بقشعريرة الغدر.
— تعبانة شوية يا أحمد… الدوخة زادت عليا.
قال بسرعة كأنه مسك في فرصة:
— طب قوليلي! ما أنا قلتلك من الصبح بلاش حرقة الدم دي. كل ده من التوتر والوقفة في التأمين. تعالي ارتاحي في السرير، وبكرة الصبح أنا هروح بنفسي للشركة وأشوف الهبل ده وألغي الاعتراض لو هيعملنا مشاكل.
مسكت الكلمة فورًا.
— تلغي الاعتراض؟
اتوتر وحاول يتدارك:
— قصدي… يعني نخليهم يحلوا الموضوع ودي من غير ما نحط أسمائنا في سين وجيم، وتدخلي نفسك في قضايا وإنتِ في أول حملك.
رديت بصوت هادي ومستقر:
— ومين قال إنها قضايا؟ دي مجرد مراجعة مستندات يا أحمد. إلا لو كان فيه حاجة خايف منها؟
بصلي بقوة، وعينيه اتسعت:
— حاجة إيه اللي هكون خايف منها يا مريم؟! أنا بتكلم عشان صحتك! إنتِ من الصبح بتلمحي بتلميحات غريبة وبتبصيلي كأني مجرم. أنا جوزك!
— وأنا مراتك اللي مكتوب في ملفها الطبي إنها ولدت مرتين قيصري وهي بتموت عشان تحمل لأول مرة!
سكت، والجمود رجع لوشه تاني. قاطعت السكوت رنة جرس الباب. دليفري الأكل وصل.
قام جاب الأكل وحطه على الترابيزة. قعدنا ناكل في صمت قاتل. كل واحد فينا عينيه في طبق، لكن تفكيرنا في مكان تاني خالص.
أنا كنت مستنية ينام.
كنت عارفة إن السر مش في أوراق التأمين بس… السر في التليفون اللي كان بيهرب بيه للبلكونة.
ساعة… ساعتين… أحمد كان بيتقلب في السرير، ومش عارف ينام. وأنا عاملة نفسي نايمة، وبحسب كل نفس بيخرجه. على الساعة تلاتة الفجر، بدأ نفسه يتنظم ويسحب في النوم.
تسحبت بهدوء شديد من السرير. مسكت شنطتي، وطلعت منها الأربع ورقات بتوع التأمين. دخلت المطبخ، ولعت النور الضعيف بتع الشفاط، وقعدت أدرس كل كلمة.
في ورقة المطالبة التانية سنة 2021، كان فيه عنوان مكتوب بخط الإيد في خانة “عنوان المريض وقت الإقامة”:
شقة 4 – عمارة 12 – شارع الأشجار – حدائق الأهرام.
قلبي دق بشدة.
إحنا طول عمرنا عايشين في مدينة نصر! الشقة دي بتاعة مين؟ وليه مكتوبة في الملف؟
مسكت تليفوني وسجلت العنوان. وبعدين افتكرت حاجة… أحمد لما بيغير رقمه، بيسيب التليفون القديم في درج المكتب في الصالة.
مشيت بشويش على أطراف صوابعي للمكتب. فتحت الدرج بالراحة. التليفون القديم كان موجود، بس مقفول. حطيته على الشاحن بفيشة واطية ورا الكنبة، واستنيت دقيقتين لما فتح.
التليفون كان محمي بكلمة سر. جربت تاريخ جوازنا… غلط. جربت تاريخ ميلادي… غلط.
جربت تاريخ 21 يوليو 2018… يوم الولادة الأولى.
التليفون فتح!
إيدي كانت بترتعش لدرجة إن التليفون كان هيقع مني. فتحت الرسائل القديمة، والواتساب.
ماكانش فيه رسائل كتير، كأنه كان بيمسح أول بأول… لكن كان فيه رقم واحد متسجل باسم “مهندس خالد – شغل”.
فتحت الشات بينه وبين “مهندس خالد”.
صدمة عمري كانت في الصور اللي اتبعتت في الشات ده!
صور أطفال… ولد عنده حوالي سبع سنين، وولد تاني أصغر عنده حوالي أربع سنين.
وتحت الصور، رسائل بصوت أحمد:
“الأولاد كبروا يا نهى… المظروف هيوصلك بكره مع السواق، ما تتصليش بيا على الرقم ده تاني.”
“نهى”…
الاسم نزل عليا زي الصاعقة.
نهى دي تبقى أخت صاحبه الأنتيم… اللي كانت خطيبته زمان قبل ما يتقدملي، وقال إن الموضوع انتهى من سنين بسبب مشاكل عائلية!
سمعت صوت حركة في الممر.
قفلت التليفون بسرعة ورجعته مكانه، وحطيت ورق التأمين في الشنطة، وجريت على الصالة وقفت في الضلمة.
خرج أحمد من الأوضة وهو بيفرك عينيه، وبصلي باستغراب لما شافني واقفة في الصالة:
— مريم؟ واقفة كده ليه؟
رديت بصوت متقطع وأنا بحاول أتحكم في انفاسي:
— بطني بتوجعني قوي يا أحمد… حاسة بمغص.
قرب مني وشكل القلق ظهر عليه تاني، بس المرة دي كان قلق حقيقي:
— مغص؟ من إيه؟ تعالي نقعد… أوديكي المستشفى؟
قلتله وأنا ببص في عينيه مباشرة:
— لأ… مش عايزة أروح أي مستشفى. أنا خايفة يا أحمد.
مسك إيدي وقال:
— خايفة من إيه بس؟
— خايفة أكتشف إن الحلم اللي استنيته عشر سنين بيضيع مني… أو إن الإنسان اللي عايشة معاه مش هو اللي أنا أعرفه.
أحمد وشه اتغير، ونزل عينيه للأرض وما قدرش يحط عينيه في عينيا.
— ارتاحي دلوقتي يا مريم… وبكرة… بكرة كل حاجة هتبان.
رجعت السرير، بس النوم ما دخلش عيني للصبح.
أول ما الشمس طلعت، وأحمد نزل الشغل وهو فاكر إني نايمة، قمت فورًا. لبست هدومي بسرعة، أخدت ورق التأمين، ومفتاح العربية، وطلعت على العنوان اللي لقيته في الورق:
حدائق الأهرام – شارع الأشجار.
وصلت بعد ساعتين بسبب الزحمة. ركنت العربية بعيد عن العمارة، وقفت قدام الباب وأنا حاسة إن رجليا مش شايلاني.
طلعت الدور الثاني، ووقفت قدام شقة 4.
إيدي اترددت فوق الجرس ثواني… وبعدين ضربت الجرس.
سمعت صوت خطوات جوه، وصوت طفل بيضحك. وبعدين صوت ست بتقول:
— مين؟
ما رديتش.
ضربت الجرس تاني.
مفتاح اللوك لف، والباب اتفتح.
وقفت قدامي ست في التلاتينات، لابس ترينج بيتي، وعينين منفوخة من النوم.
أول ما بصتلي، ملامحها اتجمدت، واللون هرب من وشها تمامًا.
بصيتلها، وبصيت للولد الصغير اللي خرج يمسك في جليبيتها من ورا…
وقلت بصوت هادي وميت:
— إنتِ نهى… صح؟

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى