
لفيت لشيماء، وبصيت لابنها اللي دخل من الباب وبيتمسح في جلابيتها ورجله وسخة:
– “أولاً يا شيماء.. أخوكي مالوش بيت هنا عشان يطردكم منه. ثانياً.. ابنك لو لمس كاوتش عربيتي تاني أو وسخ سيراميك بيتي، أنا مش هكلمه هو، أنا هرفع عليكي قضية إتلاف للممتلكات. وثالثاً والأهم.. الحفلة اللي عملتوها وتوزيع الأوض انتهى. أفضلي وافقة مطرحك ما تتحركيش خطوة واحدة جوة الصالة.”
حماتي صفية قلعت نظارة الشمس، وعينيها كانت بتلمع بشر وغيظ، وقربت مني وهي بتهدد بصوبعها:
– “بقى كدة يا ندى؟ بتتقوي علينا عشان حيلتك بيتين وشوية تراب سابتهم ليكي أمك بياعة الفول؟ نسيتي أنك مجرد ممرضة بتسهر بالليالي عشان تجيب القرش؟ نسيتي إن طارق هو اللي عملك بني آدمة وجوزك؟”
هنا.. الكلمة دي لمست جرح أمي. أمي الست الطيبة اللي شقيت وعرقت عشان تربيني بالحلال.
ضحكت.. ضحكة قصيرة وباردة خلت حماتي ترجع خطوة لورا.
– “أمي بياعة الفول يا خالتي صفية.. سابتلي بيت يسوى ملايين، وسابتلي شرف وكرامة أعش بيهم ملكة. أمي ما سابتليش ديون ومشاكل وولد بيجري ورا قرش مراته عشان يتفشخر بيه قدام أهله! وأنا الممرضة اللي بتتكلمي عليها دي.. هي اللي بتدفع إيجار شقتك أنتي وطارق كل شهر، وهي اللي بتجيب علاج السكر بتاعك من المستشفى بمعرفتها، وهي اللي سددت أقساط عربية إبراهيم أخوه السنة اللي فاتت عشان ما يروحش السجن!”
وش إبراهيم جاب ألوان، وطارق بص للعرش بذهول وكأنه أول مرة يسكت مش عارف يرد.
شيماء صرخت:
– “أنتي كدابة! أخويا هو اللي يصرف عليكي!”
طلعت من شنطتي رزمة أوراق صغيرة ورميتها على الترابيزة قدامهم:
– “دي كشوفات الحسابات البنكية، والوصولات اللي طارق بيوقع عليها كل شهر وهو بياخد مني الفلوس عشان يدفعها لكم تحت مسمى ‘مساعدات عائلية’. تحبي أقرأ لكي المبالغ بالقرش يا شيماء؟ ولا أقرأ لك وصل القسط بتاع إبراهيم اللي محتفظة بيه لليوم ده؟”
السكوت خيم على البيت كله. صوت الساعات القديمة المعلقة في الصالة كان هو الوحيد اللي شغال. البواب العجوز عم إبراهيم كان واقف عند الباب البراني، وبيرقب المشهد وهو حاطط إيده على بيلته، ونظرة الاحترام لندى بدأت تظهر في عينه.
طارق مسكني من دراعي بقوة وزقني ناحية الحيطة:
– “هاتي المفاتيح دي يا ندى! قسماً بالله لو ما عدلتي أسلوبك ده حالا وطيبي خاطر أمي وأختي، لكون طالقك في ساعتك دي ومخليكي تمشي بجلابيتك!”
بصيت لإيد طارق اللي ماسكة دراعي. بكل ثبات، رفعت إيدي التانية وحطيت الصوبع الإبهام على مفصل إيده وضغطت بأسلوب علمي بممرضة عارفة أماكن الأعصاب.. طارق صرخ وجاب إيده لورا بسرعة وهو بيتألم.
عدلت لياقة جيليهي، وبصيت في عينه بجمود:
– “التهديد بالطلاق ده كان ينفع زمان لما كنت بتهز من كلمة منك. إنما دلوقتي؟ طلّق يا طارق! طلقني حالاً قدام أهلك وعم إبراهيم البواب! بس افتكر كويس.. لو طلقتني دلوقتي، هخرجك من البيت ده بلبسك اللي عليك، وهسحب كل القضايا والتنازلت اللي عملتها لك، وهطالبك بجميع حقوقي والمبالغ اللي أخدتها مني بالدليل والوصولات في المحكمة خلال 24 ساعة!”
حماتي صفية طاردها الخوف، لأنها عارفة إن طارق مالوش حيلة من غير فلوس ندى ومرتبها الشديد وشغلها الإضافي. قربت من طارق وزقته:
– “اسكت أنت يا طارق! اهدا شوية!”
وبعدين لفت ليا ونبرة صوتها اتغيرت من الاستعلاء للتوسل الخبيث:
– “يا ندى يا بنتي.. إحنا أهلك، وطارق جوزك وحبيبك. إحنا ما قصدناش حاجة، إحنا بس كنا فرحانين ليكي وعايزين نكون جنب في بيتك الجديد نسندك بدل قعدة اللوحدك دي. أمك الله يرحمها كانت ست كريمة وما ترضاش باللي بتعمليه ده.”
– “أمي الله يرحمها..” قلتها وأنا بقرب من حماتي وببص في عينيها مباشرة: “..قالتلي وصية واحدة وهي على فراش الموت.. قالتلي: ‘يا بنتي، أول ما الناس تعرف إن تحت إيدك حاجة أو حيلتك قرشين، مش هيستأذنوكي قبل ما يمدوا إيديهم وياخدوها.. هيجربوا الأول يشوفوا هنسكتي لحد فين، ولو سكتِ.. بكرة ياكلوا لقتك!’.. وأنا مش هسكت يا خالتي صفية. ومش هسلاقم لقمة أمي لحد.”
شيماء حطت إيدها في وسطها وقالت بغل:
– “يعني إيه؟ بتطردينا؟”
ندى مشيت ناحية الباب الكبير المفتوح، ووقفت جنبه، وشاورت بإيدها لبرة:
– “اتفضلوا كلكم برة بيتي. بدون استثناء. خطوة واحدة جوة البيت ده من غير إذن كتابي مني بعد النهاردة، هتبقى بلاغ في النيابة باقتحام منزل.”
طارق كان واقف زي الشطرنج المكسور، مش قادر يتكلم ولا يدافع عن كبرياؤه قدام أمه وإخواته. بص لندى وقال بنبرة مليانة غيظ وانتقام:
– “أنا مش هخرج يا ندى. البيت ده بيت مراتي وأنا لي حق أقيم فيه مع مراتي!”
ابتسمت ندى ابتسامة حادة:
– “حقك تقيم معايا في بيت الزوجية اللي أنت مأجره واللي أنا بدفع إيجاره.. مش في أملاك أمي الخاصة. اتفضل برة يا طارق.. مع أهلك. ولما تتعلم إزاي تبقى راجل بيحمي مراتي وبيحترم ملكيتها، أبقى تعالى خبط على الباب ورجليك برة!”
إبراهيم نزل من السلم وهو بيبرطم وبيشتم بصوت واطي، وشيماء سحبت ابنها بغل وزقته قدامها وهي بتقول:
– “يلا يا أمي، يلا نخرج من البيت الشوم ده! بكرة تصوت وتجيلنا تزحف عشان نرجع أختها!”
حماتي صفية مشيت بخطوات ثقيلة، ولما وصلت عند الباب لفت وشها لندى وقالت بصوت مليان زحير وتهديد:
– “افتكر اللحظة دي يا ندى كويس.. طارق مش هيسكت، وإحنا مش هنسيبك تتهني بالبيت ده لوحدك. البيت ده هيدخله الدم قبل ما تتهني بيه!”
ندى ما اهتزتش، وقفت بكل صلابة وقالت:
– “أعلى ما في خيلكم اركبوه يا خالتي. وعم إبراهيم واقف شاهد على كل كلمة وتهديد.”
عم إبراهيم البواب هز راسه بوضوح وقال بصوت جهوري:
– “شاهد يا ست ندى، وما تقلقيش.. الباب ده مش هيدخله دبانة من غير إذنك بعد النهاردة.”
خرجوا الثلاثة، ووراهم طارق وهو بيبص لندى بنظرة كره ووعيد، ورزعوا باب العربية الخارجي وصوت الكاوتشات طلع يعوي في الشارع الساكت في المعادي.
قفلت ندى الباب الحديد الوراني، وحطت المفتاح الكبيرة في القفل، ولفته لفتين بالتمام.
قفلت الباب برجة قوية هزت المكان، ووقفت ظهرها للباب، وغمضت عينيها وهي بتتنفس بسرعة وتعب.
البيت بقى فاضي وساكت.. ريحة الفل والتراب عادت تملى الصالة تاني.
نزلت ندى على السيراميك، وحطت إيدها على أرض الصالة، ودمعة واحدة بس نزلت من عينها على خشب الترابيزة اللي عليه عقود أمها.
مسحت الدمعة بسرعة، وفتحت الملف البيج، وطلعت منه تلفونها المحمول، وضغطت على رقم مع تسجيل باسم “الأستاذ فاروق – المحامي”.
رد المحامي من الناحية التانية:
– “أيوة يا مدام ندى.. عملتي إيه في البيت؟ استلمتيه؟”
ندى وقفت على حيلها، وصوتها رجع أقوى وأصلب من الأول:
– “استلمته يا متر.. وبكرة الصبح بدري عايزة حضرتك ترفعلي دعوى تمكين حصرية، وتعملي محضر عدم تعرض لطارق وأهله كلهم بالاسم.. واستعد عشان هنسحب كل التوكيلات اللي عملتهاله.”
المحامي سكت ثانية وقال بذهول:
– “أنتي متأكدة يا ندى؟ طارق جوزك وممكن يعمل مشاكل كبيرة لو عملتي كدة!”
ندى بصت لشباك الجنينة اللي كان فيه طيف أمها واقف بيبتسملها، وقالت ببرود شديد:
– “خليه يعمل مشاكل يا متر.. أنا ندى بنت فاطمة، واللي حاسب نفسه ديابة.. هيعرف إن البيت ده فيه لبؤة بتدافع عن حقها!”
