عام

جوزي بيحرجني اماني السيد

مفيش نص ساعة، وباب الشقة خبط. كان بابا وأخواتي الاتنين، ومعاهم واحد صاحبه نجار.

بابا دخل، وبص للصالة المتبهدلة، وسألني بقلق:

«إيه اللي حصل؟ وفين حسام؟».
في اللحظة دي، الدموع اللي حبستها طول اليوم نزلت، بس ما كانتش دموع قهرة ولا ضعف، دي كانت دموع غسيل.. كأن روحي بتتطهر من سنين الذل والسكوت اللي عشتهم.

إخواتي ما قعدوش، شمروا دراعاتهم وبدأوا يلموا معايا الكوبايات المتكسرة وينضفوا الصالة، وبابا نزل قعد تحت على القهوة اللي قصاد العمارة، عشان يضمن إن لا حسام ولا حد من أهله يهوب ناحية البيت.

تاني يوم على العصر، التليفونات ما بطلتش رن. أبوه كلم بابا بصوت مكسور، وبيتأسف وبيقسم إنه ما يعرفش حاجة عن المهزلة دي. وعمه، أبو ميادة، كان  من الغيظ ، وجه بنفسه هو وأبوه لحد بيت أهلي عشان يعتذروا لبابا، ويبرروا إن بنتهم كانت  وما كانتش تعرف إنه بيجيبها لشقة مراته ويعمل بيها اللي عمله.

بابا قعد قصادهم حاطط رجل على رجل، وما قبلش أي تبرير ولا كلمة طبطبة، وقال لهم جملة واحدة قطعت عِرق وسيّحت دم:

«ابنكم ملوش قعاد عندنا، وكرامة بنتي مش لعبة.. ورقة الطلاق تتكتب الليلة، وكل قرش وكل مليم في القايمة والمؤخر يتدفع كاش قبل ما المأذون يحط قلمه، وإلا قسمًا عظيمًا لا المحاكم تقفل بيوتكم كلها».

حسام جه مع المأذون بالليل زي الكلب المضروب، وشه في الأرض، ومش قادر يرفع عينه في عين أي راجل في القعدة. مضى على ورقة الطلاق وإيده بتترعش، ودفع كل قرش كان عليه، وهو ساكت ومذلول قدام أبوه وعمه وإخواتي.

أول ما المأذون نطق كلمة: «أنتِ طالق»، حسيت بنسمة هوا باردة دخلت صدري.. بصيت له وهو بيلم نفسه ويخرج مطرود من قعدة الرجالة، وقلت في سري:

«اللي ترخّص نفسها عشان المركب تمشي، بتغرق بيها.. والكرامة لما بتترد، بترجع تكسر عين اللي داس عليها».

قفلت الباب وراهم، ورجعت شقتي النضيفة المعمورة، وأنا عارفة إن حياتي الحقيقية لسه بتبدأ النهارده.

عدت الأيام اللي بعدها وأنا حاسة إني في كابوس صحيت منه على جنة. الشقة اللي كانت خانقاني بقت مملكتي الحقيقية. نضفتها من أثرهم ومن ريحتهم، وبقيت أفتح الشبابيك وأدخل الشمس والهوا اللي كانوا ممنوعين عني.

حسام حاول يبعت ناس واسطة، ويكلم بابا تمن آلاف مرة، ويبعت رسايل استعطاف إنه ندمان، وإن الشيطان شاطر، وإن «بيتي اتخرب وخسرت كل حاجة».

بس بابا كان رده واحد زي السيف:

«اللي بيبيع مرة، بيبيع ألف، وبنتي مش بضاعة تترَدّ وتتستبدل».
أهله، حماتي وأخته، حاولوا يجوا البيت عشان يلمّوا الموضوع بالذوق، خايفين من كلام الناس والفضيحة اللي لَحقتهم وسط قرايبهم وأصحاب أخته بعد ما الحكاية اتعرفت.

وقفت لهم على الباب، ومسكت مقبض الباب بقوة، وقلت لهم ببرود قاتل:

«البيت ده ما يدخلوش غير المحترمين، وإنتوا مكانكم مش هنا.. اللي عايز يضايف بيا وبصحتي ويهيني في بيتي، ملوش عيش وملح عندي. ورّوني عرض كتافكم».

قفلت الباب في وشهم، ورزعت الترباس الجديد، وحسيت براحة ملهاش مثيل.

ميادة، المهندسة اللي كان عايز يتمنظر بيها، الحكاية وصلت لخطيبها الحقيقي ولأهلها، والخطوبة اتفسخت، وبقت بجلاجل في العيلة. وعرفت إن الله حق، وإن اللي بتبني سعادتها على خراب بيت غيرها ما بتتهناش.

أنا قعدت مع نفسي، وبدأت أخطط لحياتي من جديد. رجعت لشغلي اللي كنت سيبته عشانه، ونزلت كورس ديكور عشان أفرش شقتي على ذوقي أنا، مش ذوق حد تاني.

بقيت أخرج وأدخل وراسي مرفوعة، ومبقتش أخاف من كلام حد، ولا بكسف أقول «لأ» في وش أي حد يحاول يتجاوز حدود الأدب معايا.

الدرس كان قاسي، بس كان لازم منه عشان أفوق. عرفت إن الطيبة مش سكوت، وإن التضحية مش مذلة، وإن اللي ما يصونش كرامته بنفسه، محدش هيصونهاله.

وأهم حاجة، عرفت إن بيت بابا مفتوح، وضهره مسنود، وإني بمليون راجل من نوعية حسام وأشكاله.

قفلت الصفحة دي من حياتي، وفتحت صفحة جديدة كلها عزة ونفس مرفوعة، ومستقبل أنا اللي برسمه بإيدي.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى