
_ليلى!
ركضت نحوه كطفلة تبحث عن ملجئها الأخير، وما إن وصلت إليه حتى ارتمت بين ذراعيه وهي تبكي بشهقات متقطعة.
لم يسألها شيئًا.
فقط رفعها من خصرها وضمها إليه بقوة
_ششش… خلاص، اهدي… أنا جيت. خلاص يا حبيبتي، أنا هنا.
دفنت وجهها في صدره، وتشبتت بقميصه بكلتا يديها، شد عمران ذراعيه حولها أكثر، وعيناه ترتفعان نحو فريد ووالدته.
كانت نظرته تقول شيئًا واحدًا:
من الذي جعلها تبكي؟
انحنى وحملها بين ذراعيه، واتجه بها إلى الباب.
_عمران بيه…
لم يلتفت.. رفع يده فقط بإشارة مقتضبة.
_بعدين يا فريد… جاي تعبان وعايز أرتاح.
خرج بها إلى السيارة، ووضعها برفق في المقعد المجاور، ثم أغلق الباب واتجه إلى مقعد القيادة.
جلس للحظات دون أن يدير المحرك.
كان الصمت بينهما أثقل من الكلام.
التفت إليها أخيرًا.
كانت تجلس منكمشة على نفسها، تمسك أطراف ملابسها بأصابع مرتجفة، وعيناها متورمتان من كثرة البكاء.
مد يده إليها، ورفع ذقنها برفق.
_إيه اللي حصل؟
لم تجبه.. اقترب أكثر، ومسح بإبهامه دمعة علقت على وجنتها.
_احكيلي يا حبيبتي… إيه اللي حصل؟
ارتجفت شفتاها، وانسابت دمعة جديدة.
ثم قالت بصوت مكسور:
_وحشتني…
وفي لحظة، انطفأ كل الغضب الذي كان يشتعل داخله.
فتح ذراعيه لها، فتسللت إلى أحضانه فورًا.
ضمها إليه بقوة، وطبع قبلة طويلة فوق رأسها.
_وأنتِ أكتر… أكتر مما تتخيلي.
قاد السيارة، وضمها بين ذراعيه، وملامحه غارقة في غموض ثقيل.
بعد دقائق، وصلا إلى الفيلا.
رفعت ليلى عينيها إلى المبنى، وما إن ترجل عمران من السيارة حتى قالت بصوت ضعيف:
_عمران… أنا مش عايزة أقعد هنا.
توقف.. واستدار إليها، ثم فتح لها الباب ومد يده.
_ليه؟
خفضت عينيها.
_عايزة أروح البيت التاني.
أمسك كفها، وشبك أصابعه بأصابعها.
_ليلى… ده بيتك.
رفعت عينيها إليه.. فاقترب منها قليلًا، وقال بحزم ممزوج بحنان:
_ومينفعش تقولي مش عايزة. من النهارده تتعاملي على إنك صاحبة البيت… ومراتي. فاهمة؟
صمتت ولم تقو على الرد
ابتسم لها ابتسامة صغيرة محاولًا انتزاعها من حزنها.
_وبعدين أنا عايز ليلى الشرسة اللي خطفت قلبي بلسانها الطويل… مش ليلى اللي قاعدة قدامي دي.
تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها رغم دموعها.
_وحياتي يا عمران…
ضم كتفيها إليه وتحرك بها نحو الداخل.
ما إن دخلا الصالة حتى لمح والدته تجلس مع إحدى صديقاتها.. وتضحك قائلة
_اهو عمران جه اهو
رفع عمران رأسه، وألقى السلام باقتضاب.
_السلام عليكم.
رفعت صديقة والدته رأسها، وابتسمت.
_عمران… أخيرًا شفناك.
_مشاغل… إزي حضرتك؟
قالتها بنبرة عتاب:
_لا، لا… أنا زعلانة منك، ولازم تصالحني وتحضر حفلة بكرة.
ابتسم ابتسامة باهتة.
_لا مقدرش على زعلك… هشوف جدولي.
ثم جذب يد ليلى قليلًا.
_بعد إذنكم.
وما إن استدار ليغادر حتى جاء صوتها ساخرًا:
_إيه ده يا عمران؟!
توقف.
_إنت مصاحب الخدم؟
ساد الصمت.. توقف عمران تمامًا.
وتبدلت ملامحه في ثانية.. اختفت ابتسامته..
اشتدت قبضته حول يد ليلى، ثم استدار ببطء شديد.
كانت عيناه قد تحولتا إلى نار صريحة، ونبرته خرجت منخفضة بشكل أخطر من الصراخ:
_بتقولي ايه
ارتبكت والدته.
_عمران، هي متقصدش، اصلها اول مرة تشوفك في المستوى دا، دايما مستواك معروف
كلمات رغم انها كلمات، ولكن شعر بأن والدته طعنته… لحظة واحدة حتى ارتفع صوته :
_مسمعتش بتقولي ايه ياماما!
وضعت ليلى يدها على ذراعه بخوف.
_عمران…
لكنه لم ينظر إليها، وظلت عيناه مثبتتين على والدته مرة على وصديقتها مرة، ثم جز على اسنانه
_دي مراتي.. ليلى الزيني
صمت لحظة، ثم أضاف بحدة:
_مراتي واللي عايز يدخل البيت دا يحترمها..
نهضت والدته من مكانها.
_عمران اهدى، هي متقصدش
اسمعي ياماما، وياريت تعرفي الستات الفاضية اللي انت مصاحبهم من نخبة المجتمع… الأدب فضلوه عن العلم
_اللي يدخل بيتي يبقى محترم لصاحبة البيت
شهقت ثريا
_عمران ايه اللي بتقوله دا؟
_دلوقتي ياطنط، غلطي في مراتي، ولازم تعتذري
_عمران
لم يلتفت الى والدته
_حضرتك غلطي في مرات عمران الزيني، وانا مابسكتش عن حد غلط فيا
_عمران
_انا اسفة يا….. صمتت تنظر لليلى
حاوط عمران كتفها وقال:
_اسمها ليلى هانم
_أنا اسفة ياليلى هانم
_كدا كويس
أمسك يدها من جديد، وضمها إلى كفه.
_يلا يا حبيبتي… قالها ولم يهتم بحديث الاخرى وتحرك بها، ثم توقف عند الدرج دون أن يلتفت إلى والدته.
المرة دي ياماما قبلت الاعتذار،
_ودي آخر مرة أسمع فيها كلمة زي دي عن مراتي… لأن المرة الجاية، مش هكتفي إني أطلب اعتذار بس
هوت ثريا على المقعد، فقالت صديقتها:
_يالهوي ياثريا، ابنك بقى كدا ليه، معقول البنت اكلت عقله
_هموت يادولت، شوفتي مش قولت لك
_لا لا… لازم تتصرفي، قبل ماتتفاجي بعيال منها
توسعت عيناها، وكأن الكلمة صفعتها بقوة
_انا مفكرتش في الموضوع دا
_لا لا… لازم تفكري، البيئة دي هتبقى مرات عمران الزيني وام اولاده
_خلاص يادولت، انا مش ناقصة، انا جبتك تساعديني
_هو مفيش غير حل واحد للاسف
رفعت عيناها تستنجد بها
_نيفين
_لا… دي مستحيل
_خلاص، خليكي كدا
شردت ثريا في كلماتها، ثم قالت
_فيه مشوار لازم نروحه بكرة، وبعد كدا نقرر
_مشوار ايه دا
_ابو البنت، عرفت من عمران بينه وبين البنت مشاكل
بالأعلى
دلفا الى غرفتهما، توقف أمامها وحاوط وجهها
_ليلى مش عايزك تتأثري بأي كلمة، انت مش قليلة، وأنا بحبك
رفعت عيناها وارتجفت شفتيها تتسائل بتقطع
_عم ران، انت ليه مااتجوزتش لحد دلوقتي
قرص وجنتيها، ثم انحنى يطبع قبلة عليها
_علشان ربنا كان مخبيلي نصيبي الحلو
تجمعت الدموع في عينها
_انت عمرك عملت علاقات مع حد
زم شفتيه، برفعة حاجب
_مين قالك كدا، امي؟ صح هي اللي قالت لك لما راحت عندكم
_انت عرفت؟!
_ليلى عايزك متثفيش في أي كلام غير كلام، تمام
ضمها تحت ذراعيه
_ليلى أنا بحبك، متفكريش في حاجة غير في حبي وبس، فكري في حياتنا، ومتزعليش من ماما، هتاخد وقت ومتأكد هتقبلك
_بس هي مبتحبنيش خالص ياعمران
_مش مهم هي تحبك، المهم ابنها، هتعملي ايه بحبها
ابتسمت من بين دموعها، راقب ابتسامتها بقلبًا يرفرف بنبضه
_وحشتيني أوي الكام ساعة دول
_وانت كمان
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باليوم التالي
قامت وفاء الاتصال باابنتها، فتحت عيناها على رنين الهاتف، نظرت حولها، وجدت الفراش خالي، اعتدلت تجمع خصلاتها، ثم سحبت الهاتف
_صباح الخير ياماما
_صباح الخير حبيبتي، عاملة ايه؟
_كويسة الحمدلله
_حماتك العقربة قالت لك حاجة
تذكرت ليلى ماحدث، فقصت لوالدتها
صمتت والدتها وهي تنظر لذهبها أمامها ثم قالت:
_ليلى ممكن تيجي لي دلوقتي
_عمران مش هنا ياماما، شكله نزل الشغل
_حبيبتي خدي تاكسي وتعالي
_معرفش هيرضى ولا لا
تنهدت وفاء وقالت:
_مش لازم تعرفيه
_ازاي بس ياماما، انت مفكرة زي بيتنا، لا ياماما فيه حارس وبواب، انت عايزاني ضروري فيه حاجة؟
_اه… تيجي معايا للدكتور، مينفعش يبقى لي بنت واروح لوحدي
اعتدلت سريعًا
_انت تعبانة ياماما؟
_اوي اوي ياليلى، وواحدة جبت لي اسم دكتور بس بعيد، ومش عايزة اروح لوحدي، وكمان مينفعش اخد فريد، اصله دكتور نسا
نهضت سريعًا وقالت
_لا حبيبتي، مسافة الطريق، هغير واجي
بعد ساعات نزلت ليلى برفقة والدتها من القطار
_يااااه ياماما، مفيش غير الدكتور دا، بعيد اوي، انا قولت لعمران في القاهرة، معرفش انه في اسكندرية
لازم اتصل بيه واعرفه علشان ميقلقش
خطفت منها وفاء الهاتف
_كلميه بعدين، يلا حبيبتي التروماي جه
بينما بقرية ليلى
وصلت ثريا برفقة صديقتها، الى منزل والدها… ترجلت من سيارتها تتلفت حولها باشمئزاز، وثم رفعت عيناها لصديقتها التي تنظر مثلها
_شوفي ابني جاي يتجوز منين، سايب بنات العيل، وجاي لحتة فلاح
جالت صديقتها بالمكان
_صدمني بجد ياثريا، اشارت بعيناها على البيت
_دا البيت ال Gps وصلنا له، من عنوان اخوها في الشركة
تحركتا وصعدت السلام الخارجية، بفتح منال باب منزلها
_انت مين ياست؟
التفت ثريا تتفحصها، ثم تسائلت
_دا بيت محمود المختار، والد ليلى
قطبت منال جبينها
_اه… انتو مين
اقتربت ثريا منها
_انت مين طيب، علشان اقولك
_انا منال مرات اخوه
ابتسمت ثريا وقالت

