
“اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك”
قــــــــــدرًا لايشبهه
بقلم سيلا وليد
ممنوع نقل الرواية اي صفحة او موقع
دون إذني
استدار عمران ببطء نحو الجمع المحتشد حوله، ولم يحتج إلى أن ينطق بحرف واحد؛ مجرد نظرة خاطفة ألقاها على علي كانت كافية ليفهم الأخير ما يدور برأسه.
تقدم علي خطوة، وقال بنبرة ساخرة وهو يشير إلى عمران:
_ هو ده شكل واحد حرامي يا جماعة؟! ده رجل الأعمال اللي اشترى الأرض هنا، وقالولنا إن البيت ده بتاعه. وأول ما دخلنا، الست دي صرخت في وشنا!
ثم أشار إلى سيارة عمران الفارهة الواقفة أمام المنزل.
_ هو إنتوا مابتشفوش؟! يعني واحد راكب عربية زي دي، هيسرق إيه من الست اللي شبه الدبوري دي؟!
كتم عمران ضحكته بصعوبة، بينما رمقه أحد رجال البلدة بضيق.
_ ماتتكلم عدل يا جدع إنت! إيه الست اللي شبه الدبور دي؟!
وقبل أن يرد علي، سبقه عمران، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة:
_ ما سمعتش عن المثل اللي بيقول: دبور وزن على إيه؟
اتسعت ابتسامة علي، بينما أكمل عمران بمنتهى الهدوء:
_ الهانم عايزة تعمل نمرة قدامكم علشان نرجع في كلامنا وما نطلبش منها تفضي البيت… أصل شكلها متعودة على الحركات دي.
ثم نظر إلى الجمع حوله، وأضاف بنبرة تحمل من الثقة ما جعل الجميع يصمت:
_ أنا اشتريت الأرض والبيت، وكان المفروض يخرجوا من أسبوع. لكن أنا ما رضيتش أضغط عليهم… قلت نديهم فرصة، وأنا ابن بلد وعارف الأصول.
سكت لحظة، ثم رفع حاجبه وهو ينظر إلى منال:
_ لكن لما شافتنا، حبت تشوه صورتنا قدامكم، واتهمتنا إننا هجمنا عليها وعايزين نسرقها.
ضحكة قصيرة خرجت منه
_ طب منتظرين منا إيه؟ ناخدها بالأحضان ونشكرها؟
شهقت منال، ووضعت يدها على صدرها، وقد بدأت تدرك متأخرة أنها وقعت في مواجهة مع رجل لا يعرف التراجع.
أما عمران، فالتفت إليها.
هذه المرة اختفت ابتسامته تمامًا.
غرس عينيه في عينيها، وكانت نظراته قاسية إلى الحد الذي جعلها تتراجع خطوة دون أن تشعر.
_ أنا مابفرطش في حقي… واللي يغلط فيا، ما بسامحوش بسهولة.
ابتلع غضبه، بينما مرت أمام عينيه صورة زوجته وهي تبكي، ووجهها الشاحب وهي تتألم.
اشتعل شيء مظلم في صدره.
لم يكن غاضبًا من منال وحدها… كان غاضبًا من كل شيء جعل زوجته تصل إلى تلك الحالة، وكان اتهام هذه المرأة له آخر ما يحتمله.
فقال ببرود مخيف:
_ والست دي غلطت فيا، واتهمتني بالهجوم والسرقة قدام الناس. ودي مش تهمة بسيطة.
صمت للحظات وعيناه لاتفارقها
_ حقي أعمل فيها محضر سب وقذف، وأسيب القانون ياخد مجراه.
ارتبكت منال، بينما تدخل أحد رجال البلدة سريعًا:
_ خلاص يا بيه، معلش… اللي ما يعرفك يجهلك. باين عليك ابن أصول، وهي أكيد ما كانتش تقصد.
ظل عمران صامتًا لثوانٍ، ثم أخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يحبس خلفه غضبًا يكفي لإحراق المكان كله.
_ مش هعمل ق\ضية… ومش هبلغ الشرطة.
رفعت منال عينيها إليه بدهشة.
فأكمل وهو يثبت نظره عليها:
_ بس ممكن أقبل الاعتذار.
ترددت للحظة، ثم قالت بصوت خافت:
_ أنا آسفة يا بيه.
رفع حاجبه.
_ ما سمعتش يا هانم.
اضطرت لرفع صوتها:
_ أنا آسفة يا بيه… حقك عليا.
اقترب منها نصف خطوة، ثم قال بهدوء مستفز:
_ لا، أنا مش بيه.
صمت لحظة، ثم ابتسم ابتسامة لا تحمل أي ود:
_ اسمي عمران الزيني.
اتسعت عيناها بضيق.
_ ممكن تقولي: آسفة يا عمران بيه.
رمقته بنظرة غاضبة، لكنها لم تملك سوى أن تبتلع غضبها.
_ أنا آسفة يا عمران بيه الزيني… كده كويس؟
تجولت عيناه على وجوه أهل البلدة، وكأنه يتأكد أن الجميع سمع الاعتذار.
ثم قال ببساطة:
_ مفيش مشكلة… مقبول.
بدأ الجمع في الانفضاض، بعدما انتهى المشهد.
لكن عمران لم يتحرك.
انتظر حتى ابتعد معظمهم، ثم عاد ببصره إلى منال.
تلاقت عيناهما من جديد.
هذه المرة لم يكن أمامها أحدًا يحميها
تقدم خطوة، وقال بصوت منخفض:
_ ودلوقتي…
توقفت أنفاسها.
_ هتفضوا البيت إمتى؟
تلعثمت:
_ ادينا فرصة يا بيه… أسبوع كمان.
وقبل أن يجيب، جاء صوت علي من خلفه:
_ قلبك كبير يا كبير… اديهم فرصة كمان.
التفت عمران إليه بنظرة جانبية، وكأنه يعرف تمامًا أن علي يتعمد استفزازه.
وقبل أن يرد، ظهر محمد ومحمود في تلك اللحظة، يقتربان من مكان وقوفهما.
رفع محمود عينيه نحو عمران أولًا، ثم انتقلت نظراته إلى منال، قبل أن يسأل باستغراب:
_في إيه هنا؟
التفت عمران على الصوت، وما إن وقعت عيناه على محمود حتى سكنت ملامحه للحظة.
كان في وجهه ملامح لفريد، فظل يتأمله لثوان
علم انه محمود المختار… والد ليلى
استدار إليه بكامل جسده، وألقى نظرة سريعة على محمد، ثم عاد ببصره إلى محمود.
_حضرتك محمود المختار؟
وقبل أن يمنحه محمود فرصة للرد، أسرعت منال قائلة:
_ده صاحب الأرض اللي بعناها يا محمود، كان جاي يسأل هنفضي البيت إمتى، وخلاص عرف وهيمشي.
استدار عمران إليها ببطء
_حد قالك إني مابسمعش… ومابعرفش أرد؟
ارتبكت للحظة، بينما تبادل محمد ومحمود نظرة خاطفة من جرأته.
تقدم محمد خطوة، وقال بنبرة تحمل سخرية واضحة:
_ما براحة شوية يا بيه… يعني اللي يشوف هيبتك يقول إنك محترم.
التفت إليه عمران سريعًا، وازدادت برودة ملامحه.
_أنا محترم مع اللي يستاهل الاحترام.
ثم أشار بعينيه نحو منال.
_والست دي… ماتستاهلش حتى إني أنزل لمستواها وأرد عليها.
رفع محمد حاجبه ساخرًا:
_لا، دانت باين عليك راجل…
لكن محمود قاطعه برفع يده.
_استنى يا محمد.
ثم وجه حديثه إلى عمران:
_عايز ارضك
اقترب عمران منه خطوة، وثبت عينيه في عينيه قائلًا ببرود:
_ملكي
_طيب يابيه، أرضك وبيتك على نهاية الأسبوع هتاخدهم. ملكش غير كده.. وبلاش تطاول
زم عمران شفتيه بامتعاص
_اتطاول؟
كرر الكلمة باستهزاء، ثم أمال رأسه قليلًا.
_تعرف إيه عن التطاول يا عم محمود؟
سكت لحظة، قبل أن يضيف بنبرة أثقل:
_جربت حد يتطاول على حد يخصك… وتاخد حقه؟
تغيرت ملامح محمود قليلًا.. ماذا يعني
رفع عمران عينيه نحو منال، فوجدها تضم شفتيها بضيق، ثم عاد ببصره إليه.
_قولت لك… أنا بحترم اللي بيحترمني.
ثم أضاف ببرود قاطع:
_ومش هفضل في القاهرة أسبوع علشان ست زي دي… البيت هيتهد.
شهقت منال، واستدارت تنظر إلى منزلها وكأنها لم تستوعب ما قاله.
_انت هتهد البيت؟
التفت إليها عمران، ولم تتغير ملامحه.
_وإنتِ مالك؟ هو كان يخصك؟
ثم عاد بنظراته إلى محمود.
_انا بدي فرص، وبحاول اسمع، مابحكمش من غير مااحكم عقلي، ابويا رباني على اخذ الحق مش حرفنة قد ماهو يستاهل، انا بعتالكم امبارح واحد، ورغم كدا، جيت اسمع علشان احكم، رغم كان ممكن اجي وورايا اللودر اللي يهد البيت على فيه، لانه حقي والكل هيشهد بكدا
لكن انا جيت وبنفسي علشان افهم كل حاجة، مش مجرد موظف قالي حاجة الغي عقلي، مكنش ربنا وهبنا اياه، ولا ايه ياعم محمود.. مش يمكن الموظف ظالم الست دي وعايز ينتقم منها في حاجة
ظلت النظرات بينهما للحظات، حتى شعر محمود بأن نظراته غريبة.. حتى كلماته
لم يعرف محمود إن كانت عتابًا… أم سخرية… أم مجرد اشمئزاز مما سمعه ورآه.
ظل عمران ينظر إليه حتى استدار، ثم اتجه إلى سيارته.
استقلها، وما زالت عيناه معلقتين بمحمود.
قاد علي السيارة بهدوء، بينما ظل محمود يتابعه بعينيه حتى ابتعدت السيارة عن المكان.بقلم سيلا وليد
قال محمود بعد لحظات، وكأنه يحدث نفسه:
_الراجل ده غريب… حاسس إن وشه مألوف. شوفته قبل كده.
رد محمد بضيق:
_هتشوفه فين بس؟ وبعدين راجل لسانه زفر.
داخل السيارة، ظل علي صامتًا للحظات، يتابع الطريق أمامه، قبل أن يقول:
_مش حاسس إنك زودتها شوية؟
أسند عمران رأسه إلى المقعد، وأطلق زفرة طويلة.
_الراجل ده مضايقني أوي.
صمت لحظة، ثم قال بنبرة لم يستطع إخفاء غضبها:
_معرفش إزاي أب بيقسى على بنته بالشكل ده… حتى لو غلطت.
نظر إليه علي للحظات قبل أن يقول:
_الناس دي يا عمران، شرفها فوق كل حاجة.
استدار عمران إليه، وفي عينيه اعتراض واضح.
_وإحنا بنبيع شرفنا يا علي؟
ثم أعاد نظره إلى الطريق.
_وبعدين دي متربية وسطهم، وأكيد هما عارفين أخلاقها أكتر مني ومنك.
تنهد علي.
_يا عمران، مجرد إنها خرجت معاك… بالنسبة لهم دي لوحدها كفاية. إنت وهي كنتوا بتتقابلوا، وهما مش هيشوفوا الموضوع زي ما إنت شايفه.
لم يرد عمران.
ظل ينظر أمامه، لكن كلمات علي ظلت تدور في رأسه.
خرجت معاه…
وفجأة، دون مقدمات، ظهرت صورتها أمام عينيه.. ضحكتها…طريقتها وهي تتحدث معه…حتى غضبها المحبب
وصوتها وهي تنادي اسمه.. شيء دافئ تسلل إلى صدره.. حتى تمنى أن تكون بين ذراعيه الان
ارتفعت زاوية فمه بابتسامة ، دون يشعر بها، حتى هدأ داخله لو قليلا
كانت مجرد صورتها في خياله كفيلة بأن تمحو كل الغضب الذي كان يملأه منذ دقائق.. نطق قلبه قبل شفتيه اسمها هامس
“ليلى” حتى اسمها وحده كان يترك في قلبه ذلك الشعور الغريب…
شعورًا يشبه الطمأنينة.
تنفس بعمق، واتسعت ابتسامته دون إرادة منه، ولمعت عيناه بسعادة صافية، كأن قلبه تذكر فجأة أنه يحبها… وأن وجودها في حياته، رغم كل ما يحيط بهما من مشاكل، كان أجمل شيء حدث له.
راقبه علي من طرف عينه، ثم ابتسم وهز رأسه.
_يا عيني على الحب!
انتبه عمران إليه، فعاد وجهه سريعًا إلى جمود مصطنع.
_إيه؟
ضحك علي.
_بس تعرف؟ أنا مبسوط لك يا صاحبي.
ظل عمران ينظر إليه للحظات، ثم هز رأسه وهو يحاول إخفاء ابتسامته.
_مجرب إنت… مش عايزين نتكلم.
ضحك علي بصوت أعلى.
أما عمران فعاد ببصره إلى الطريق، لكن هذه المرة لم يستطع أن يمنع ابتسامته.
كان يشعر بسعادة غريبة.. سعادة مصدرها فتاة كطفلة دخلت حياته كقطرة مياه بصحراء
فتاة استطاعت، دون أن تفعل شيئًا، أن تجعل قلب رجل مثله… يبتسم.
_لو فضلنا هنا، وحصل لبنتي حاجة بسببهم… عمري ما هسامح نفسي.
خفض فريد عينيه، بينما عاد إلى مسامعه صوت ليلى من خلف الباب…
شهقة مكتومة، ثم بكاء ضعيف.
رفع عينيه نحو الغرفة.
وفي تلك اللحظة، وجد نفسه عالقًا بين طريقين كلاهما يؤلمه…
إما أن يثق في عمران، ويترك أخته تواجه حربًا مع أمه…
أو يأخذها بعيدًا، ويهدم بقرار واحد كل ما بناه عمران من أجلها.
_مش عارف اخد قرار، سبيني افكر، وأشوف هعمل ايه
بعد فترة، وصل عمران إلى منزل فريد.
دلف إلى الداخل بخطوات هادئة، لكن
كانت ملامحهم لا تحمل سوى الحزن.
دارت عيناه في المكان سريعًا قبل أن يسأل:
_فين ليلى؟
تنهدت وفاء، ثم قالت بحزن:
_سيبها الليلة يا ابني… ملحقتش أشبع منها.
اقترب عمران منها قليلًا، وقال بنبرة هادئة رغم القلق الذي بدأ ينهش قلبه:
_آسف يا طنط، بس لازم نرجع على البيت.
نظرت وفاء إلى فريد، ثم عادت بعينيها إليه.
_كنت عايزة أخدها ونزور الحسين… لو مش عندك مانع.
وقبل أن يجيب، وصل إلى مسامعه صوت خافت مرتجف، بالكاد خرج من بين شهقاتها:
_عمران…
تجمد في مكانه.. استدار سريعًا.


