
بمنزل شهاب
ثار غضبه منذ علمه بما حدث
جلست أمامه نيفين
_ممكن تهدى علشان نعرف نفكر
_نفكر… موضوع ملك فشل، وادي البيه اتجوز، وبكرة يخلف
_طب اهدى،كدا مش هنعرف نفكر، احنا لازم نفكر في حاجة بعيد عن تفكير عمران
بقلم سيلا وليد
عند عمران ــــــــــــــــــــــــــــ
جلس بجوارها طوال الليل، لم يتركها حتى هدأت شهقاتها واستسلمت للنوم. ظل يتأمل ملامحها الساكنة، بينما كلمات والدته تعود إلى رأسه من جديد، تثقل صدره وتخنق أنفاسه.
كيف يمكنه أن يبعد عنها رفض والدته؟
وكيف يقنعها أن ليلى لم تكن يومًا سببًا في أي شيء؟
ارتفعت أنفاسه بغضب، وهمس لنفسه وكأن والدته تجلس أمامه:
_ليه ياماما تكسري فرحتي؟
وقبل أن يسترسل في أفكاره، اهتز هاتفه برسالة.
التقطه، فوجد رسالة من علي:
_بكرة أول جلسة للواد.. هتروح البلد ولا إيه؟
توقف لحظة، ثم كتب:
_الست أمه معملتش اللي قولته.
أتته الرسالة سريعًا:
_يعني؟
أجاب عمران بحسم:
_استناني بكرة الساعة تمانية. لازم أنزل البلد دي، وأشوف إيه اللي بيتقال، وبالمرة أشوف المهندس عمل إيه في الفيلا.
_تمام ياصاحبي، هستناك.
أغلق الهاتف ووضعه جانبًا، ثم عاد إليها.
فرد جسده بجوارها، ورفع رأسها برفق فوق ذراعه
ظل يتأملها طويلًا.
حقًا… حبيبته تبدو كالطفل الوديع.
ملامحها التي أنهكها البكاء أصبحت هادئة، وكأنها لم تكن منذ ساعات بين ذراعيه تبكي خوفًا من أن تخسره.
أغمض عينيه أخيرًا، وسرعان ما غلبه النوم.
بعد عدة ساعات..
ارتفع رنين هاتفه في الغرفة.
تململت ليلى بنوم، فتحت عينيها ببطء،
كانت محاطة بذراعيه، يحتضنها كقلعة تحمي ساكنها من العالم بأكمله.
رفعت يدها ببطء، ومرت أناملها على ملامح وجهه النائمة، قبل أن تلمع عيناها بالدموع.
عادت كلمات والدته إلى ذاكرتها.
تذكرت كيف كان عمران يستميت في الدفاع عنها، وكيف حاول بكل الطرق أن يجعل والدته تتقبلها…
لكنها تذكرت أيضًا نبرة والدته، والطريقة التي خرج بها صوتها وهي تعلن رفضها.
هل حقًا تريد أن تفرق بينهما؟
شعرت بقبضة قوية تعتصر قلبها لمجرد تخيلها للحظة التي قد تُحرم فيها منه.
هي تحبه…
بل تحبه بجنون العاشق الذي لم يعد يعرف كيف يعيش دون من أحب.
دنت منه أكثر، حتى أخفت جسدها بالكامل داخل أحضانه، ودفنت رأسها بصدره، وهمست بصوت مرتجف امتزج فيه الحزن بالبكاء:
_أنا بحبك أوي… مش هقدر أعيش من غيرك.
ارتفع رنين الهاتف مرة أخرى.
فتح عمران عينيه بتململ، شعر بحركتها الهادئة بين ذراعيه، فضمها بذراع واحدة، ومد يده الأخرى ليلتقط هاتفه.
_أيوة ياعلي.
جاءه صوت علي:
_يلا… إنت لسه نايم؟
فتح عمران عينيه بصعوبة:
_هي الساعة كام دلوقتي؟
_الساعة تمانية ونص.
تنهد عمران، ثم قال:
_تمام، هجهز وأكلمك.
أغلق الهاتف وألقاه جانبًا، ثم عاد بعينيه إليها.
وجد طفلته الصغيرة تختبئ بين ذراعيه، وكأنها لم تجد في هذا العالم مكانًا أكثر أمانًا منه.
ابتسم، ومرر أنامله على وجهها:
_صباح الخير ياحبيبتي.
ابتسمت بخجل:
_صباح النور.
ظل يلتهم ملامحها بعينيه، ثم سألها:
_نمتي كويس؟
هزت رأسها بالإيجاب.
فمد يده وقرص وجنتيها برفق، ثم قال بمشاكسة أزاحت شيئًا من الحزن الذي يحيط بها:
_تعرفي ليه الجنة؟
قطبت جبينها بتساؤل:
_ليه؟
ابتسم وهو يقترب منها:
_علشان طول الليل في حضني واحدة من بنات الحور… وأنا مانع نفسي عنها بالعافية.
دفنت رأسها في صدره بخجل، بينما ضحك بخفوت ومسح على خصلاتها بحنان.
ثم قال:
_قومي جهزي نفسك. هعديكي على فريد، عندي مشوار ممكن أتأخر فيه، ومش عايز أسيبك لوحدك.
رفعت عينيها إليه، وفهمت خوفه دون أن يسألها.
أومأت بهدوء:
_حاضر.
بعد قليل، وصل عمران إلى منزل فريد.
ترجل من السيارة، ثم اصطحب ليلى إلى الداخل.
وما إن فتحت وفاء الباب حتى تهللت أساريرها، واحتضنت ليلى بسعادة:
_حمد لله على السلامة يابنتي.
ابتسم عمران وهو يتابع فرحة زوجته وكأنها طفلة عادت إليها لعبتها المفضلة.
اقترب منها وقال بلهجة جادة:
_خلي بالك منها، ومتخليهاش تروح أي مكان مهما كان لما أرجع.
رفعت وفاء حاجبها باستغراب:
_بتوصيني على بنتي؟
نظر إليها عمران بثبات، ثم قال:
_لا… بوصيكي على مرات عمران الزيني.
ابتسمت وفاء وهي تهز رأسها، بينما اشتعل الخجل في وجه ليلى.
بعد فترة..
وصل عمران إلى القرية التي كانت تسكن فيها ليلى.
ترجل من سيارته، وبجواره علي.
تحرك عمران بخطوات ثابتة، تسبقه هيبته، ونظراته الحادة جعلت كل من يراه يدرك من اللحظة الأولى أنه رجل اعتاد أن يُسمع كلامه.
توقف أمام مجموعة من الأطفال، وانحنى قليلًا نحو أحدهم:
_بيت محمود المختار فين ياحبيبي؟
أشار الطفل إلى منزل قريب:
_هناك.
في تلك اللحظة، كانت نور، شقيقة هشام، تراقبهم من بعيد.
لم يخفَ عليها أنهم يسألون عن عمها محمد.
تبادل عمران وعلي نظرة سريعة، ثم تحركا نحو المنزل.
في تلك اللحظة، وصلت وفاء من المحكمة.
وما إن رأت الرجلين حتى توقفت، تتطلع إليهما بتفحص.
اقتربت منها ابنتها سريعًا وقالت:
_ماما… دول بيسألوا عن عمي محمود
نزلت وفاء عدة درجات من السلم، ثم اقتربت منهما وهي تضيق عينيها:
_بتسألوا عن مين يابهوات؟
مال علي نحو عمران وهمس:
_دي أم الواد اللي إنت حبسته… شوفتها في المحكمة عمالة تصرخ.
خلع عمران نظارته الشمسية ببطء، ونظر إليها بنظرة باردة تحمل شيئًا من الاشمئزاز.
ثم قال:
_إنتِ بقى جاثوم المنطقة؟
شهقت نور:
_إنت بتقول إيه ياجدع إنت؟
رمقها عمران بنظرة تحذيرية، ثم قال ببرود مستفز:
_وإنتِ بقى بنت الساحرة الشريرة؟
اتسعت عينا وفاء، و بدأت تستوعب هويته.
وقبل أن يمنحهم أحد فرصة أخرى للكلام، صرخت بأعلى صوتها:
_الحقوني! حرامية جاين يتهجموا عليا أنا وبنتي! الحقوني ياعالم!
خلال ثوانٍ، بدأ أهل المنطقة يتجمعون حولهم، وكل واحد منهم يحمل عصًا غليظة، وسط أصوات متداخلة وصيحات غاضبة.
رفع علي حاجبه، ثم أطلق صفيرًا ساخرًا وهو ينظر حوله:
_صلاة النبي أحسن!
رمقه عمران بنظرة جانبية، بينما ازدادت الحلقة من حولهما ضيقًا.
في منزل فريد..
طرقات متتالية على الباب.
تحركت وفاء وفتحته، لتجد أمامها سيدة أنيقة، تبدو على ملامحها الغنى الفاشح
_مين حضرتك… تسائلت بها وفاء
جالت ثريا بعينيها داخل المنزل، ثم سألت:
_ده منزل فريد المختار؟
وقبل أن تجيب وفاء، خرجت ليلى من الداخل، تحمل طبقًا من الفاكهة بين يديها.
رفعت عينيها نحو والدتها وهي تقول بعفوية:
_فريد ولا عمران ياماما؟
لكن انقطعت حروف الكلمات، توقفت في مكانها كأن الأرض تجمدت تحت قدميها.
سقط طبق الفاكهة من بين يديها، وتناثرت ثماره على الأرض.
رفعت عينيها نحو ثريا بصدمة، بينما دفعت ثريا وفاء جانبًا ودخلت إلى المنزل دون استئذان، وعيناها تجوبان المكان باشمئزاز
ثم اتجهت نحو ليلى، وقالت بصوت يحمل اتهامًا صريحًا:
_إنتِ هنا؟
ابتلعت ليلى ريقها، ولم تستطع الرد.
اقتربت ثريا خطوة أخرى، قبل أن تقول بنبرة امتزج فيها السخرية:
_يبقى ده بيت اخوكي

