
ظل بجوارها لبعض الوقت، يراقب ملامحها الهادئة، حتى اطمأن أنها غفت، فنهض بهدوء وتحرك إلى الخارج.
اتجه إلى غرفة شقيقته، طرق طرقات خفيفة على الباب، ثم دلف إلى الداخل.
توقفت عيناه على والدته تجلس بجوار ملك، بينما تضع شقيقته رأسها في أحضانها، ويد والدته تمسد على خصلاتها بحنان.
أغلق الباب خلفه بهدوء، ثم اقترب منهما.
ـ نايمة ولا صاحية؟
رفعت ثريا عينيها إليه، وأجابته بصوت خافت:
ـ نامت… فيه حاجة؟
ـ عايز أتكلم معاكي شوية.
أومأت له، ثم وضعت رأس ملك فوق الوسادة، وقامت بهدوء قبل أن تتبعه إلى الخارج.
بقلم سيلا وليد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد دقائق، وصلا إلى مكتبه.
أغلق عمران الباب خلفهما، بينما جلست والدته أمامه تنتظر حديثه.
ظل للحظات صامتًا، وكأنه يبحث عن الكلمات المناسبة، ثم أخرج علبة سجائره وأشعل واحدة، ينفث دخانها بغضب مكتوم.
ـ الواد اللي كان مع ملك… شهاب ونيفين هما اللي زقوه عليها.
اتسعت عينا ثريا بدهشة.
ـ وليه يعملوا كده؟ ملك عملت لهم إيه؟
رفع عمران عينيه إليها، وقال بملامح جامدة تخفي خلفها غضبًا عارمًا:
ـ علشان يصوروها مع الواد في أوضاع مخلة، ويضغطوا عليا في الشركة يا ماما.
شهقت ثريا، ووضعت كفها على فمها.
ـ إيه اللي بتقوله ده؟!
ـ اللي سمعتيه.
ـ وليه شهاب يعمل كده؟!
ابتسم عمران بسخرية مريرة.
ـ علشان واحد فاشل… فاكر إن الفلوس والنفوذ يدوّهو الحق يعمل اللي هو عايزه. بس متقلقيش، أنا هعرفه إزاي يحترم نفسه.
ـ طيب… وناوي على إيه؟
مرر عمران يده على وجهه بعنف، ثم قال بنبرة حاسمة:
ـ متقلقيش، هعرف أتصرف معاهم. وعلى فكرة… عمي معاهم في اللعبة.
اتسعت عيناها باشمئزاز.
ـ إخسِ عليه وعلى ندالته! بقى عايز يعمل في لحمه كده؟
ـ لحم إيه يا ماما؟ كبّري دماغك.
ثم أضاف بعد لحظة صمت، وكأن الأمر الآخر الذي يخفيه أثقل على صدره:
ـ بس فيه حاجة أهم.
نظرت إليه مترقبة.
ـ قولي بقى إيه موضوع مراتك دي كمان؟ تتجوز من غير ما أعرف يا عمران؟ وكمان شكلها مجنونة!
انفلتت منه ضحكة ، رغم الحزن الذي يملأ عينيه.
ـ هي مجنونة فعلًا… بس هتحبيها.
رفعت حاجبها بدهشة.
ـ ومالك واثق كده إني هحبها؟ دي طفشت من أول يوم!
ابتسم عمران، ولمعت عيناه بسعادة لم يستطع إخفاءها.
ـ لأنها حبيبة ابنك يا ماما… وأكيد هتحبيها.
صمتت للحظة، ثم قالت:
ـ ماشي يا عمران، مش لما أعرف هي بنت مين الأول؟
نظر إليها، وقال ببساطة هزت قلبه قبل أن تهز قلبها:
ـ بنت قلبي يا أم عمران.
ابتسمت رغما عنها، وهي تتأمله.
ـ ياااه… لدرجة دي يا عمران؟
أبعد عينيه عنها، وكأن مجرد الحديث عنها أعاده إليها؛ إلى ضحكاتها، وخجلها، ولمساتها البريئة التي كانت كفيلة بأن تجعل أثقل أيامه أخف.
ـ وأكتر يا ماما.
راقبته ثريا بصمت، ورأت السعادة التي لم ترها في عيني ابنها منذ وقت طويل.
ـ ربنا يسعدك يا ابني.
ـ اللهم آمين.
بدأ يحكي لها كل شيء؛ عن ليلى، عن بساطتها، عن أول مرة رآها فيها، وعن شقيقها الذي يعمل لديه، وعن كل ما حدث بينهما حتى انتهى الأمر بعقد قرانه عليها.
كانت ثريا تستمع إليه بملامح تتبدل شيئًا فشيئًا، حتى انتهى من حديثه، فقالت بصدمة:
ـ إيه اللي بتقوله ده؟! يعني متجوز واحدة منعرفش أصلها وفصلها؟
قطب عمران جبينه.
ـ ماما…
ـ واحدة من الريف؟ أخوها شغال عندك؟ وإنت شايف إن دي مناسبة ليك؟
تنفس عمران بعمق، ثم قال بغضب بدأ يتصاعد:
ـ نيفين ذات أصل وفصل، وكانت مستعدة تبيع نفسها، ماتعقليش الكلام بالأصول والفصول يا ماما.
رفعت ثريا رأسها، بينما نهضت من مكانها.
ـ مش كل بنات العائلات نيفين يا عمران بيه.
ثم تقدمت نحوه، وقالت بحدة:
ـ تقدر تقولي لما تحضر حفلة، أو تخرج في مناسبة للإعلام، هتقول لهم إيه؟ مرات عمران بيه مين؟ بنت مين؟ أبوها مين؟ جدها مين؟
تغيرت ملامحه.
ـ ماما، إيه اللي بتقوليه ده؟
استندت بكفيها إلى مكتبه، وقالت بقسوة:
ـ بقول اللي عقلك لغيه يا عمران بيه! لما تخلف منها، ولادك هيبقوا إيه؟ هيكونوا أحفاد مين؟ حتة موظف؟ ولا جدهم هيكون إيه؟ فلاح؟
اشتعلت عيناه.
ـ ماما!.. تمتم بها من بين اسنانه
ـ متفكرش إنك لما تزعقلي هسكت!
ارتفع صوتها، بينما كان عمران يحاول السيطرة على غضبه.
ـ أنا مش موافقة على المهزلة دي. يعني إيه تجيب حتة بنت من الشارع وتقول مراتي؟ دي متنفعش مراتك قدام المجتمع!
توقف للحظة، غير مصدق ما يسمعه.
أكملت ببرود جارح:
ـ عايز تتجوزها لمتعتك؟ معنديش مانع… لكن يكون في السر. غير كده مستحيل أوافق على الجوازة دي.
استدار وجه عمران إليها، وقد تبدلت ملامحه تمامًا.
ـ إنتِ بتقولي إيه؟
ـ اللي سمعته.
ثم استدارت لتغادر، لكنها توقفت قبل أن تصل إلى الباب.
ـ وحتى لو قولت لك إن سعادة ابنك معاها؟
جاء صوتها من خلفه ببرود:
ـ اتجوزها في السر، وممكن تتجوز واحدة تانية أختارها أنا.
خرجت من بين شفتي عمران ابتسامة حزينة، كأن كلماتها أصابته في أكثر نقطة تؤلمه….. بقلم سيلا وليد
ـ وأنا مستحيل أقبل حاجة زي دي.
التفتت إليه.. فتابع
ـ ليلى هتبقى مراتي قدام العالم كله. واللي مش عاجبه… هو حر.
نهض من مقعده، واتجه إليها بخطوات ثابتة.
ـ أنا معملتش حاجة غلط ولا حرام. أنا اتجوزت على سنة الله ورسوله.
ثم أضاف بصوت أكثر هدوءًا، لكنه كان أشد وقعًا:
ـ ولو فعلًا بتحبيني… تقبلي مراتي. لأني مش هطلقها، ومش هبعد عنها.
التفتت إليه بنصف جسدها.
ـ حتى لو أنا مش راضية عن الجوازة دي يا عمران؟
سكت.. لم يجد جوابًا يستطيع أن يقوله دون أن يؤذيها، فاستغلت صمته، وهزت رأسها بسخرية.
ـ ماشي يا عمران بيه.
وضعت يدها على مقبض الباب.
ـ أنا مش موافقة على البنت دي، وقدامك خيارين…
لم يدعها تكمل.
ـ مش هتخلى عن مراتي يا ماما.
توقفت.
ـ وإنتِ مقامك عندي أكبر من إنك تخيريني بينها وبينك. مكانتك عندي غير أي حد في الدنيا… وليلى برضه مكانتها عندي غير أي حد في الدنيا.
استدارت إليه، وقد بدت الصدمة على وجهها.
ـ إنت اتجننت! البت دي عملت لك إيه؟!
خفض عمران عينيه للحظات، ثم ابتسم ابتسامة هادئة امتزجت بالوجع والسعادة.
ـ حسيت بالسعادة معاها يا ماما.
رفع عينيه إليها.
ـ حسيت إني رجعت أتنفس… حسيت إن الدنيا بعد ما كانت مقفولة في وشي، رجعت بتضحك لي.
صمت للحظة، ثم قال:
ـ إيه؟ مستكترة على ابنك السعادة؟
نظرت إليه طويلًا، قبل أن تقول بصرامة:
ـ المجتمع مش بيتاخد بالعواطف يا عمران.
ضحك بسخرية.
ـ طظ في المجتمع… المهم أنا عايز إيه.
ـ مش هيرحمك. هيخليك تهرب من الناس.
ـ مش عايز الناس يا ماما. هيعملولي إيه الناس؟
هزت رأسها بعدم رضا، وفتحت الباب.
لكنها توقفت فجأة.
كانت ليلى تقف أمام المكتب.
وجهها شاحب، وعيناها غارقتان بالدموع.
واضح أنها سمعت كل شيء.
رمقتها ثريا بنظرة ممتلئة بالتهكم، وقالت ببرود:
ـ مرات عمران بيه بتتصنت على الأبواب؟
لم تجب ليلى.
اكتفت بهز رأسها بالنفي، بينما انسابت دمعة ساخنة فوق وجنتها.
مرت ثريا بجوارها دون أن تكترث لدموعها
نهض عمران سريعًا، واتجه نحو ليلى.
ـ ليلى…ايه اللي صحاكي
تراجعت خطوة، وقالت بصوت مرتجف:
ـ إنت مش كنت نايم جنبي،خفت
نظر إليها بحزن.
_طيب تعالي
ابتلعت غصة مؤلمة، وأكملت:
ـ عمران… والدتك عندها حق.
ـ ليلى، هزت كتفها وفتحت كفيها:
ـ أنا إزاي فكرت في نفسي؟
ارتجف صوتها أكثر.
ـ إزاي فكرت إن واحد زيك ممكن يتجوز واحدة زيي قدام الناس كلها؟ هتقول إيه للناس؟ هتقول إيه علي؟ وعلى عيلتي؟
مد عمران يده وأمسك كفيها.
ـ ليلى ممكن ماتتكلميش
سحبت يدها منه برفق، والدموع تغرق وجهها.
ـ رجعني بيت أخويا يا عمران.
بقلم سيلا وليد
ـ ليلى…وبعدهالك
اقتربت ودموعها تغرق وجهها
ـ روح اتجوز اللي تليق بيك.
قالتها وهي تحاول أن تبتسم، لكن شفتيها ارتعشتا وفشلت.
ـ أنا مش عايزة أكون سبب في إنك تخسر أمك… ولا تخسر حياتك.
في الجهة الأخرى، كانت ثريا قد وصلت إلى الصالة، لكنها توقفت حين وصلها صوت ليلى من الداخل.
قبضت على يدها بغضب، وتمتمت بسخط:
ـ بت لئيمة… مفكرة إنها هتضحك عليا بلؤم الفلاحين، زي ما ضحكت على ابني العبيط.
جلست على المقعد، وهي تتأفف بضيق.
ـ كان ناقصني فلاحين.
وبعد لحظات، وصلت الخادمة إليها.
ـ نعم يا هانم، حضرتك بعتيلي؟
رفعت ثريا عينيها إليها، وقالت بنبرة حاسمة:
ـ آه… اسمعيني كويس في اللي هقوله.
بالسجن عند هشام
جلست منال امام هشام
_سمعت المحامي قال ايه، دي فيها خمساشتر سنة، ايه التهم دي كلها، وليه دلوقتي الكل افتكر سيئاتك
ضربت على صدرها
_ياخيبتك في عيالك يامنال
_امه… بطلي ولولة واسمعيني كويس
دلوقتي مش قدامنا غير الحل اللي قولت لك عليه، الراجل دا متريش اوي، وشكل نابه ازرق
_مايمكن بيضحك عليك، وعايز يبࢪأ زفت الطين ليلى ليه
شرد بكلمات عمران
_معرفش، بس قال كلمة غريبة، بيقول مرات عمران الزيني اللي يلمسها هقطع ايده
ضربت منال على صدرها
_يالهوي… يعني ايه، ازاي كدا
قاطعهم وصول العسكري
الزيارة خلصت
نهض والعسكري يسحبه فقال
_امه… زي ماقولت لك، لازم تعملي اللي قال عليه
تابعت ابنها حتى اختفى خلف الجدران وهمست بفحيح افعى
_عايز وفاء تشمت في، والله ماهتنولها، دا انا هفضحها هي وبنتها

