
خرج رشاد من المكالمة وصوت صفير الهاتف في أذنه يمزق ما تبقى من كبريائه. نظر إلى الشاشة بذهول، حاول إعادة الاتصال لكن العبارة الجافة الجاهزة صدمته: “الهاتف الذي طلبته قد يكون مغلقاً أو خارج نطاق الخدمة”. لقد وضعته في قائمة الحظر، ألقت به خارج حياتها تماماً كأنه لم يكن.شعر رشاد بالاختناق، فغادر مكتبه متوجهاً إلى منزله، وهناك كانت “نهى” في انتظاره، تمسك بمجموعة من الكتالوجات وتتحدث بنبرة متعالية:ـ رشاد، كويس إنك جيت.. أنا اخترت طقم الصالون الجديد اللي هنغير بيه الصالون القديم، وكلمت مهندس الديكور عشان ييجي يبدأ شغل من الأسبوع الجاي.نظر إليها رشاد بعيون حمراء يملأها الغل، والكلمات التي سمعها من بشرى عن “الانتحار التجاري” و”رهن الشركة” تدق في رأسه كالمطارق.
صاح فيها بصوت هز أرجاء الشقة:ـ صالون إيه وديكور إيه؟! إنتي إيه مابتفهميش؟ أنا شركتي على المحك والمشروع الجديد ممكن يضيعنى ، وإنتي كل همك المظاهر والمنظرة الكدابة؟تبدلت ملامح نهى إلى البرود والحدة وقالت:ـ جرى إيه يا رشاد؟ ما تكبرش المواضيع.. وبعدين إنت اللي اخترت، ومحدش ض.ربك على إيدك! لو مش قد الجواز ومصاريفه، كنت قعدت جنب ست بشرى بتاعتك اللي كانت راضية بالهَم!لم يتمالك رشاد نفسه، وخرجت منه الكلمة التي كانت تطبخ على نار المشاحنات طوال الأسابيع الماضية:ـ وإنتي طالق يا نهى!.. طالق بالتلاتة، وغوري من وشي ومشوفش وشك في البيت ده تاني!
مرت الأيام، وكان الندم والغيرة يأكلان قلب رشاد وعقله، لكن بدلاً من أن يدفعه هذا الندم لإصلاح نفسه، تحول بداخلة إلى رغبة انتقامية مسمومة. لم يحتمل فكرة أن تظل بشرى في العالي وهو يتخبط في مشاكله مع نهى.…
وفي المقابل، كانت الأجواء في شركة محمود الشناوي تتسم بالهدوء والثقة. بعد انتهاء المكالمة الحاسمة، جلس جبريل مع بشرى ووالدها الحاج محمود، الذي كان يتابع خطوات ابنته بفخر لا تسعه الدنيا.قال الحاج محمود وهو يرتشف شاي الصباح:ـ عفارم عليكي يا بنتي.. بنت الشناوي طول عمرها عاليه وغاليه ، واللي يبيعنا برخيص، نبيعه ببلاش ونرمي وراه زير .
ابتسم جبريل والتفت نحو بشرى قائلاً:ـ والآن يا مدام بشرى، بما إننا قفلنا صفحة الماضي بالضبة والمفتاح، وبما إن السوق كله بيتكلم عن حركة رشاد الانتحارية.. إحنا لازم نتحرك في اتجاه تاني خالص. المناقصة اللي خسرناها كانت مجرد واجهة، لكن المشروع الحقيقي اللي كنت مأجله هو مشروع “قرية الجيار السياحية” في الساحل الشمالي.. وده محتاج عقل يديره بقلب ميت، وأنا مش شايف غيرك للمهمة دي.نظرت إليه بشرى، ولمعت عيناها بشغف التحدي الجديد:ـ وأنا جاهزة يا باشمهندس.. المشروع ده هينقل شراكتنا لمستوى تاني تماماً.ساد الصمت للحظة، قبل أن يلتفت جبريل للحاج محمود ويقول بنبرة جادة، محترمة، وتحمل كل رجولة:ـ الحقيقة يا حاج محمود.
. أنا مش طالب شراكة بشرى في المشروع بس، أنا يشرفني ويسعدني إني أطلب إيد بشرى من حضرتك.. شراكة عمر وأمان، وقدام ربنا والكل، أنا شاري بشرى الست والعقل والروح، ومستعد أستناها العمر كله لحد ما تقرر.اتسعت عينا بشرى بنظرة جمعت بين المفاجأة والخجل، ودق قلبها بعنف لم تشعر به من قبل، بينما تهللت أسارير الحاج محمود وضغط على يد جبريل بقوة وقال:ـ وأنا مش هلاقي لبنتي راجل يصونها ويفهم قيمتها زيك يا جبريل يا ابني.. الرأي رأي بشرى، والبيت بيتك في أي وقت.
التفت جبريل نحو بشرى، ونظر في عينيها مباشرة بنظرة دافئة مليئة بالوعد والأمان، وكأنه يقول لها: “لقد انتهى زمن التنازلات، وبدأ زمن التقدير”. وابتسمت بشرى ابتسامة حقيقية، نابعة من أعماق روحها التي شُفيت أخيراً.دارت عجلة الأيام سريعة كأنها تطوي خلفها سنوات من التعب، وجاء اليوم المنتظر ليُعلن بداية فصل جديد تماماً في حياة بشرى وجبريل.داخل قاعة من أفخم قاعات القاهرة المطلة على النيل، كان الحفل أشبه بأسطورة ملكية تعكس ثراء وهيبة عائلتي “الشناوي والجيار”، لكن دون مبالغة فجة؛ فكل ركن في القاعة كان ينطق بالرقي والأناقة الهادئة التي تشبه شخصية العروسين.
الإضاءة الدافئة تتداخل مع الورود البيضاء الطبيعية التي ملأت المكان، والموسيقى الكلاسيكية الحالمة تضفي جوًا من السحر.في الجناح الخاص بالعروس، كانت بشرى تقف أمام المرآة اللامعة بكامل أنوثتها ورونقها. ارتدت فستاناً أبيض ناصعاً، محتشمًا وملكياً، مطرزاً بحبات اللؤلؤ الدقيقة التي لمعت مع كل حركة. كانت ملامحها تشع براحة وثقة افتقدتها لسنوات؛ لم يكن وراء قناع هذه المرة، بل كان نابعاً من سلامها الداخلي.دق الباب ودخل والدها، الحاج محمود الشناوي، ببدلته الرسمية الأنيقة ووقاره المعهود. التفتت إليه بشرى، لتقرأ في عينيه دموع الفرح والفخر التي حاول إخفاءها. تقدم نحوها وقبل جبينها بحنان أبوي صادق، وهمس بصوت متهدج من التأثر:ـ بسم الله ما شاء الله يا بنتي.
. قمر ونورتي دنيتنا. انهارده أنا بسلمك لراجل بجد، راجل عرف قيمتك وشاف الجوهرة اللي في إيدي. طول عمرك رافعة راسي يا بشرى، والنهارده راسي في السما.تعلقت بشرى بذراع والدها بقوة، وابتسمت وعيناها تلمعان بدموع السعادة:ـ ربنا يخليك ليا يا بابا.. إنت السند اللي مخلانيش أقع، ولولا وجودك ووجود ماما جنبي مكنتش هبقى واقفة الواقفة دي النهارده.انفتحت أبواب القاعة الكبرى، وتوقفت الأنفاس مع بدء موسيقى “الزفة”. أطلت بشرى وهي تستند إلى ذراع والدها بخطوات ثابتة وراقية. وفي نهاية الممشى، كان يقف هو.. جبريل الجيار.كان يرتدي حلة رسمية سوداء أنيقة للغاية، تبرز هيبته وطوله وعرض كتفيه.

