
لم يكن مجرد وريث، بل كان الذراع اليمنى لوالده، والرجل المسؤول بالكامل عن إدارة أملاك أبيه وتجارتهم الضخمة التي تتوزع بين العقارات والتوكيلات التجارية الكبرى. عُرف عنه عقله الحاد الذي لا يرحم في لغة الأرقام، وحذره الشديد في اختيار من يتعامل معهم.دخل جبريل الجيار إلى مقر شركة “محمود الشناوي” لبحث خطوة استثمارية جديدة تخص بعض الأملاك المشتركة والمشروعات المطروحة في السوق.
كان يتحرك بخطوات واثقة، يرتدي بدلة رسمية أنيقة تعكس ثراءه الهادئ دون مبالغة، وخلفه مساعده الخاص.لم يكن جبريل يعلم الكثير عن “المديرة الجديدة” للشركة سوى ما يتداوله السوق مؤخراً عن ذكائها وصمتها الحذر، وكان يتوقع، بحكم سنه وتجربته، أن يجد امرأة تختبئ خلف عباءة أبيها وتاريخه لتُدير الأمور من بعيد.تم توجيهه إلى مكتب المدير العام. طرقت السكرتيرة الباب، وأذنت بالدخول.فتحت السكرتيرة الباب، ليرى جبريل امرأة تجلس خلف مكتبها الضخم، غارقة بين الأوراق والخطط الهندسية وحسابات الأصول.
رفعت بشرى رأسها بهدوء، والتقت نظراتهما لأول مرة. كانت عيناها تشعان بثقة بالغة، خالية تماماً من أي تردد أو ارتباك.وقفت بشرى وتقدمت بخطوات ثابتة، ومدت يدها لترحب به بنبرة عملية جافة لكنها راقية:ـ أهلاً بحضرتك يا فندم.. باشمهندس جبريل الجيار؟ أنا بشرى الشناوي، المدير العام للشركة.صافحها جبريل بنظرة متفحصة، شعر فيها بمدى ثقتها من نفسها ، وهز رأسه قائلاً بصوت رجولي عميق:ـ أهلاً بيكي يا مدام بشرى.
. الحقيقة السمعة الطيبة لإدارتك في السوق الفترة الأخيرة، وطريقتك في إدارة الأصول هي اللي جابتني هنا بنفسي عشان نناقش إدارة المشروع المشترك الجديد.عادت بشرى إلى مكتبها، وأشارت له بالجلوس وهي تحافظ على ابتسامتها المهنية الباردة:ـ الشرف لينا يا فندم. وإحنا كمان في شركة الشناوي وقتنا غالي جداً ومبندخلش في إدارة مشروعات إلا لو كنا واثقين من نجاحها بنسبة مية في المية. اتفضل، أنا سامعاك، وإيه تفاصيل خطتك للعرض ده؟
جلس جبريل، وفتح ملفاته وهو يراقب ثباتها. بدأ يشرح رؤيته لإدارة المشروع وتطويره ، وبلُغته الصارمة كان يتوقع أن تكتفي بالموافقة أو طلب مهلة للدراسة، لكن بشرى فاجأته؛ كانت تقاطعه بأسئلة دقيقة في صلب الثغرات المالية، وتناقش نسب الأرباح وتوزيع المخاطر بذكاء أبهر عقله التجاري.مرت ساعة كاملة كأنها دقائق، وجبريل يزداد انبهاراً بهذه المرأة التي تجمع بين هيبة القيادة والأنوثة المحتشمة الصارمة. في نهاية الجلسة، أغلق جبريل ملفه، ونظر إليها بنظرة إعجاب وتقدير لم يستطع إخفاءها، وقال بابتسامة حقيقية:ـ أنا لفيت السوق ده كله يا مدام بشرى، وقابلت ناس بقالهم سنين .



