
فى منزل بشرى بعد ما رحل الجميع جلس محمود برفقه ابنته وبدأ يتحدث معها بمواساه مستترهـ أنا عارف إن اللى حصل معاكى ده صعب بس أنا واثق فيكى يا بشرى إنك هتحولى الوجع ده لنجاح من بكره هتنزلى فى شركتى اللى ه…
فى منزل بشرى بعد ما رحل الجميع جلس محمود برفقه ابنته وبدأ يتحدث معها بمواساه مستترهـ أنا عارف إن اللى حصل معاكى ده صعب بس أنا واثق فيكى يا بشرى إنك هتحولى الوجع ده لنجاح من بكره هتنزلى فى شركتى اللى هى شركتك وهتبدأى الشغل اللى بقالك سنه مانزلتيهوش بسبب جوازك وانك مش عايزه تقصرى بس جه الوقت إنك ترجعى تانى ابتسمت بشرى ابتسامة باهتة، لكنها كانت محملة بقوة دفينة، رفعت عينيها نحو أبيها وقالت بنبرة حاولت جعلها متماسكة:ـ عندك حق يا بابا.
. الجوازة دي أخدت مني كتير، وخلتني أتنازل عن طموحي وعن نفسي عشان أرضي بني آدم مابيطمرش فيه غالي. بس خلاص، الصدمة فوقتني، والوجع اللي حاسة بيه دلوقتي هيكون هو الدافع اللي يخليني أوقف على رجلي من تاني.هز محمود رأسه بفخر، وطبطب على يدها بحنان أبوي صادق:ـ هو ده ظني فيكي يا بنتي.. بنت محمود الشناوي مفيش حاجة تكسرها. من بكرة مكتبك جاهز، والكل مستني رجوعك. الشغل في السوق محتاج قلب ميت وعقل صاحي، وأنا عارف إنك قدها وقدود.في هذه الأثناء، دخلت والدتها الصالة وتحمل في يدها كوبين من الليمون الدافئ، كان وجهها يحمل علامات الحزن على ابنتها، لكنها حين سمعت كلامهما تبدلت ملامحها إلى الارتياح، وقالت وهي تضع الأكواب:ـ ربنا يخليك لينا يا محمود ويطول في عمرك.
. بشرى طول عمرها ترفع الراس، واللي حصل ده لعله خير عشان ترجع لمكانها الطبيعي. رشاد واهم لو افتكر إن الدنيا وقفت عنده، هو اللي خسر جوهرة مش هيلاقي زيها تاني.نظرت بشرى إلى كوب الليمون، ثم إلى والديها، ولأول مرة منذ أيام تشعر ببدء تلاشي تلك الغصة التي كانت تخنقها. أدركت أن خسارة رشاد لم تكن نهاية المطاف، بل كانت البداية الحقيقية لرحلة استعادة ذاتها التي طمستها في شهور زواجها فى محاوله اسعاد رجل لم يراها أمامه، وأن السند الحقيقي لا يأتي من رجل باقٍ في حياتها بالصفقات، بل من عزوتها وأهلها الذين لم يتخلوا عنها للحظة.
مرت الأيام والأسابيع، وأثبتت بشرى أن الوجع لا يكسر إلا القلوب الضعيفة. ومع أول خطوة خطتها داخل الشركة، كانت قد خلعت ثوب الحزن والانكسار، وارتدت قناع الجدية الذي يليق بابنة محمود الشناوي.عادت إلى مكتبها القديم، ونفضت عنه غبار عام كامل من الغياب والتنازلات. في البداية، كانت نظرات الموظفين والعملاء تحمل بعض الفضول والتساؤلات، لكن صرامتها وهيبتها في العمل أجبرت الجميع على غلق أي سيرة شخصية، والالتزام بحدود الشغل .لم تكن بشرى تلك المديرة القاسية الذي تبث الرعب، بل نجحت في تطبيق معادلة صعبة؛ كانت تتعامل بصرامة شديدة في المواعيد والحساب والجودة، لكنها في نفس الوقت تملك ليناً وتفهماً يجعلا كل من يعمل معها يحترمها ويحبها.
كانت تسمع لمشاكل الموظفين، وتقدر ظروفهم، وتعطي كل ذي حق حقه، لكن في لحظة الجد .. لا يوجد تهاون.هذه الشخصية الجديدة جذبت إليها الأنظار في السوق سريعاً. بدأت بشرى تحضر الاجتماعات، وتناقش العقود، وتبرم الصفقات بنفسها. وبفضل ذكائها الاجتماعي ولباقتها، استطاعت بناء شبكة علاقات قوية وجديدة تماماً مع كبار رجال الأعمال والمستثمرين، علاقات مبنية على الاحترام المتبادل والكفاءة، بعيداً عن اسم والدها أو شراكة عيلتها القديمة.كل نجاح جديد كانت تحققه، كان يمثل خطوة جديدة في رحلة استعادة بناء نفسها .
بدأت لمعة التحدي تعود لعينيها، وضحكتها الصافية تعود لوجهها في وسط أهلها. بشرى لم تصبح بشرى زوجه رشاد المعطاءه بلا مقابل ؛ اصبحت امرأة قوية، ناجحة، ومستقلة، عرفت قيمتها الحقيقية وفي غمرة هذا النجاح المتصاعد، كان هناك اسم يتردد في السوق كالإعصار؛ “جبريل الجيار”. شاب في أوائل الثلاثينات من عمره، لكن من يراه في جديته وهيبته يعطيه خِبرة رجل خمسيني.


