
في تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة، ودلف عمران.
توقف فور أن رأى وفاء، فبدت على ملامحه لمحة ارتباك قبل أن يقول باحترام:
ـ آسف لحضرتك… نسيت إنك موجودة.
استدارت وفاء إليه، وكانت عيناها تحملان عتاب أمٍ لم يعد بداخلها مكان للصمت.
ـ ليه ضحكت علينا يا ابني؟ علشان إحنا غلابة تلعب بينا؟ يا ابني إحنا مش حيلتنا غير شرفنا، وإنت…
رفع عمران يده بهدوء يوقف اندفاع كلماتها.
ـ وإنتوا أشرف ناس يا طنط… متقوليش الكلام ده تاني.
ثم اتجه ببصره إلى ليلى، التي كانت تجلس على الفراش، ووجهها غارق في الدموع.
ـ ليلى أنضف بنت في الدنيا كلها.
تنفس بعمق، ثم تابع:
ـ وأنا اضطريت أقول الكلام ده علشان كان الحل الوحيد وقتها إني أتجوزها. فريد كان غضبان، وحقه، ومكنش ينفع أتجوزها من غير وكيل. ومنكرش إني دفعت فلوس للمأذون علشان يوثق جوازنا، لأن ليلى وقتها مكنتش بحالتها… بس وجود فريد كان أهم حاجة عندي.
تعلقت عيناه بليلى.
ـ عملت كده علشان بحب بنتك وعايزها، مش علشان ألعب بيها.
ثم تغيرت نبرته، وظهر الألم خلف غضبه:
ـ أنا مغلطتش في النقطة دي. بنتك هي اللي غلطت. أنا طلبت منها كتير نروح لباباها، أو أكلم فريد، وهي كل مرة كانت بتتحجج.
التقت عيناه بعيني ليلى.
ـ مكنتش أعرف إنها بتغدر بيا… وإنها مخطوبة لغيري. وأنا الوقت اللي كنت بسعى فيه علشان يبقى بينا رابط حقيقي، بنتك كانت بتألف قصص علشان تبعدني عن الحقيقة.
نظرت وفاء إلى ابنتها بعتاب.
خفضت ليلى عينيها، وهمست بصوت مختنق:
ـ كنت خايفة من بابا يا ماما… إنتِ عارفة بابا، آخر حاجة عنده راحتي.
ثم رفعت عينيها إلى عمران، والدموع تسبق كلماتها:
ـ أنا مغدرتش بيك… أنا حبيتك. وخبيت علشان كنت عارفة إن بابا وقتها كان ممكن يحكم عليّ بالإعدام.
ارتعش صوتها:
ـ إنت اللي غدرت بيا يا عمران… ضحكت على قلبي وكسرته.
ظل ينظر إليها للحظات.
كان في عينيه شيء جعل وفاء تدرك أن وجودها بينهما لم يعد له معنى، فانسحبت بهدوء، وأغلقت الباب خلفها.
اقترب عمران من ليلى، وجلس على حافة الفراش.
مد يده، ومسح دموعها برفق.
ـ معرفش هتصدقي ولا لأ… بس مفيش حاجة بيني وبين نيفين.
انتفضت ليلى كأن كلماته أشعلت النار داخل صدرها.
ـ كداب!
شهقت، والدموع تنساب من عينيها.
ـ أنا شوفتك بعيني… شوفتك وإنت…
توقفت.
لم تستطع إكمال الجملة.
أغمضت عينيها، وعادت الصور تطاردها من جديد.
ـ كأنك بتحبها بجنون… ملهوف عليها…
ضحكت وسط بكائها ضحكة موجوعة.
ـ طيب ما تروح لها! جاي لي أنا ليه؟ أهي شبهك…
ثم هزت رأسها بعنف.
ـ أنا مش طايقاك على فكرة… أنا…
لم يدعها تكمل.
اقترب منها، وجذبها إليه، ووضع قبلة هادئة على شفتيها، لا تحمل إلا محاولة لإسكات الألم الذي يعصف بها، وكأنه يريد أن يقول لها ما عجز عن قوله بالكلمات.
تجمدت للحظات.
ثم أغمضت عينيها، وغلبها قلبها قبل عقلها.
ابتعد عنها قليلًا، وضمها إليه.
ـ شوفتيني كده، صح؟
لم تجبه.
ـ وأنا كمان… وقتها شوفتها زي ما شوفتك دلوقتي. مكنتش شايف غيرك يا ليلى.
لكن بدل أن تطمئن، اشتعلت الغيرة في قلبها أكثر.
دفعت صدره بكفيها الصغيرتين، وهي تصرخ:
ـ يعني قربت منها!
ارتفع صوتها بالبكاء.
ـ يعني الفيديو حقيقي!
حاول عمران تهدئتها:
ـ ليلى، اسمعيني…
ـ لا!
دفعته مرة أخرى، تحاول الابتعاد عنه، لكن سافيها خانتها، ولم تستطع أن تهرب منه…
من صوته…من عينيه…
من كل شيء يذكرها بأنه الرجل الذي أحبته حتى صار جزءًا من نبضها.
فالغيرة يااعزائي ليست مجرد خوف من أن يأخذك أحد ممن تحبين… الغيرة نارٌ ونيران…
نارٌ تشتعل في القلب حين ترى من أحببت يقترب من غيرك، ونيرانٌ تحرق الروح حين تتخيل أن أحدًا قد يشاركك مكانًا ظننته يومًا لك وحدك.
هي نارٌ لا تُرى، لكن لهيبها يفضحها في ارتجافة الصوت، وانكسار النظرات، ودمعةٍ تسقط رغمًا عن صاحبها.
فتأكد ياصديقي، أن الغيرة حين يسكنها الحب… لا تحرق القلب فحسب، بل تحرق كل شيءٍ حوله، حتى تجعل العاشق يعادي من يحب، وهو في الحقيقة لا يريد سوى أن يطمئن أنه ما زال الوحيد في قلبه.. وهذا ماجعل ليلى تثير بجنون نيران الغيرة، حتى اصبحت أن تدعي أن يصيبها الله بالعمى… وتتمتم بكلمات غير مفهومة، اقترب منها ولكنها كانت تردد بين شهقاتها:
ـ خاين…
حاول الاقتراب منها مرة اخرى
دفعته بقوة:
ـ خاين وبتاع ستات!
ثم وضعت كفيها على وجهها، وانفجرت في البكاء.
ـ ابعد عني…
شهقت، وكأن مجرد قربه أصبح يؤلمها.
ـ إياك تلمسني!
توقف عمران مكانه.
ظل ينظر إليها وهي تختبئ خلف كفيها، وجسدها يرتجف من البكاء.
وللمرة الأولى، أدرك أن الغيرة لم تكن غضبًا منها…كانت حبًا موجوعًا.
اتجه الى الحمام وصدره يرتفع ويهبط بألمًا من حالتها، رغم غضبه منها، إلا أنه اقسم أن يأخذ ثأره من كل من حاول تشويهها

