منوعات

الفصل العاشر قدر لايشبه بقلم سيلا وليد

التقطته، وقالت وفاء:
ـ اهدي يا بنتي.
ـ هاتي تليفوني يا ماما… لما أشوف البيه فين، ييجي يلم بلاويه.
وقبل أن تتمكن وفاء من الرد، كانت ليلى قد اتصلت به.
لم يستغرق الأمر سوى ثوانٍ حتى جاء صوته:
ـ ليلى؟ فيه حاجة؟
تجمدت للحظة أمام لهفته، لكنها سرعان ما أخفت ارتباكها خلف غضبها.
ـ إنت فين يا بيه وسايب بلاويك لي؟
كان عمران يقود سيارته عائدًا إلى القاهرة، فابتسم رغمًا عنه.
ـ إنتِ كويسة الأول؟
ـ قول لاستكشاف والاستطلاع بتاعتك تطلع بره أوضتي!
ضحك عمران، والتقط الكلمة الأخيرة منها، فقال بمشاكسة:
ـ أوضتك؟
صمتت.
ـ هي فين أوضتك دي يا خرساي؟
ازداد احمرار وجهها.
فأضاف، بنبرة تحمل انتصارًا صغيرًا:
ـ قصدك أوضتنا… أنا ومراتي حبيبتي.
أغلقت ليلى الهاتف في وجهه وهي تتمتم غاضبة:
ـ قليل الأدب! بقلم سيلا وليد
كانت وفاء تراقبها بصمت.
وبعد لحظات، رن هاتف المرافقة.
ـ نعم يا بيه؟
جاءها صوت عمران:
ـ سيبي المدام براحتها، مادام والدتها جت… مش هي جت علشان تقعد معاها؟
ـ أيوه يا بيه.
وقبل أن تنهي المرافقة المكالمة،، قالت ليلى دون أن تنتبه:
ـ هو البيه معاه رقم تليفونك؟ وياترى على الخاص كمان؟
توقفت المرافقة، بينما جاء صوت عمران من الهاتف :
ـ انزلي تحت.
تحركت المرافقة فورًا دون كلمة.
لكن وفاء ظلت تنظر إلى ابنتها.
كانت نظرتها مختلفة هذه المرة…
نظرة أم رأت في عيني ابنتها شيئًا لم تستطع أن تتجاهله.. طريقتها، هل ابنتها بالفعل كما قالوا، رغم مارأته من صورها، الا انها كانت تكذب كل شيئا، وتقول، انا بنتي متربية، ولكن اليوم رأت شخصًا بعيد عن ابنتها التي ربتها

اقتربت منها ببطء.
ـ ليلى…
رفعت ليلى عينيها إليها.
فقالت وفاء بصوت مكسور:
ـ عملت إيه يا بنتي علشان تعملي في أمك كده؟
عقدت ليلى حاجبيها.
ـ تقصدي إيه يا ماما؟
انكسرت ملامح وفاء، وقالت:
ـ من إمتى وإنتِ على علاقة بالراجل ده؟
صمتت ليلى.
ـ دي تربيتي ليكي يا ليلى؟ كده تكسري عين أمك قدام الناس؟
ـ ماما…
ـ أنا كذبتهم كلهم علشانك! كل واحد كان يجيب سيرتك كنت أقول: مستحيل… بنتي ما تعملش كده. بنتي اتربت على الحلال والحرام.
انسابت دموع ليلى بغزارة، وارتجف جسدها.
ـ حبيت يا ماما…
توقفت وفاء عن الكلام.. فتابعت ليلى
ـ عارفة إني غلطت… بس والله ما كان قصدي أوطي راسكم. ما كانش قصدي أخليكم تسمعوا كلام من حد بسببي.
رفعت عينيها إليها، وقالت بصوتًا مرتجف:
ـ أنا حبيت عمران أوي يا ماما… عارفة إني غلطت، وأهو ربنا عاقبني على غلطي.
احتضنت وفاء وجهها، ومسحت دموعها بإبهامها، لكن عينيها ظلتا ممتلئتين بالعتاب.
ـ يا بنتي… الحب مش هو المشكلة.
نظرت إليها ليلى.
ـ المشكلة إنك تصدقي إن الحب لوحده يخلي أي حاجة صح.
سكتت لحظة، ثم تابعت:
ـ إنتِ لسه صغيرة يا ليلى، ومش كل واحد يقول كلام حلو يبقى أمان. ومش كل اهتمام يبقى حب، ومش كل راجل يقولك “أنا بحبك” يبقى ناوي يصونك.
شهقت ليلى وهي تبكي:
ـ غصب عني يا ماما… حاولت أبعد، بس مقدرتش. والله ما قدرت. عمران كان حنين عليا أوي… حسسني إني أهم حاجة عنده. كنت معاه بحس إني أميرة.
ابتسمت وفاء بحزن شديد.
ـ عارفة ليه الكلام ده خطر يا بنتي؟
هزت ليلى رأسها.
ـ لأن البنت وهي محتاجة للحب والاحتواء، ممكن تخلط بين الحنية والأمان.
وضعت يدها على قلب ابنتها.
ـ ممكن كلمة حلوة تخلينا نثق، ونظرة تخلينا تطمن، واهتمام يخلينا نسلم قلبنا كله… وبعدها نكتشف إنها كانت كذبة وسراب، مش كل كلمة حلوة وحنية بيكون حب، فيه ديابة بشرية بتنهش يابنت وفاء، فيه حلال بين وحرام بين
_ماما بقولك حسسني اني أميرة
صرخت وفاء :
_اميرة بالغلط والحرام ياليلى، بقى دي ليلى االي ربتها على الحلال والحرام
دا اهل البلد كلهت مكنوش بيصدقوا انك انتي ونور ولاد عم
_ماما لو سمحت
_لو سمحت، لو سمحت ايه يابنت بطني، دا اخوكي اللي هو ولد معملش كدا
هزت رأسها بانهيار
_اسفة… عارفة اني غلطانة، انا والله كنت هقولك، بس خفت بابا يعرف ويجوزني هشام ويحرمني من عمران
_يحرمك… وهو كان ايه علشان يحرمك، وازاي تامني يابنتي لراجل غريب كدا
اقتربت منها تنظر لعيناها بحزن
_ازاي تخليه يقرب منك يابنت وفاء، ازاي ماتعرفيش تفرقي بين الحلال والحرام
انا مش كنت قايلة لك الجواز العرفي دا حرام وزنا
طالعتها ليلى بجهل
_مش فاهمة حضرتك ياماما
ولكن وفاء تابعت وقلبها يغلي بنيران خيبة الأمل
ـ اللي بيحبك بجد مش هيطلب منك حاجة تخليكي تخافي من أهلك، ولا حاجة تضطري تخبيها، ولا حاجة تحسسك بعدها إنك مذنبة أو مكسورة. اللي عايزك بالحلال، ييجي من بابه.
انخفضت عينا ليلى.. فصاحت متناسية مرضها
ـ مش عارفة الغلط والحرام يا ليلى؟ دي ليلى اللي ربيتها على إن كرامتها أغلى من أي حد؟
ـ ماما، أنا…
ـ أنا مش بقولك الكلام ده علشان أذلك، ولا أقسى عليكي علشان أكرهك. أنا أمك، ووجعي عليكي هو اللي بيتكلم.
ضمتها إلى صدرها.
ـ وإنتِ مهما غلطتي، هتفضلي بنتي. بس لازم تعرفي إن الاعتراف بالغلط مش نهاية الدنيا… والخيبة يابنتي إنك تعرفي إنك غلطانة وتكملي.
ظلت ليلى تبكي في حضنها.
لكن وفاء ابتعدت عنها فجأة، وكأن شيئًا تذكرته.
ـ بس أنا مش فاهمة حاجة.
نظرت إليها ليلى.
ـ إنتِ اتجوزتيه عرفي؟
قطبت ليلى جبينها بدهشة حقيقية.
ـ جواز إيه يا ماما؟
ـ عمران قال لفريد إنه مضاكي على ورقة عرفي، وإنه لو ما حضرش كتب الكتاب هياخدك بيته بالورقة دي.
شهقت ليلى:
ـ محصلش!
ـ يعني إيه محصلش؟
ـ عمران عمره ما مسكني قلم أصلًا! إزاي مضاني على ورقة؟
اقتربت وفاء منها، وقالت بصوتًا مرتجف:
ـ يعني كان بيضحك علينا؟
هزت ليلى رأسها، والدموع تغرق وجهها.
ـ وكان بيضحك عليا أنا كمان يا ماما…
ـ ليه؟
ـ أنا حبيته… وهو كسر قلبي.
سكتت وفاء.
ـ يعني ايه
وبين شهقاتها، بدأت ليلى تحكي لها كل ما حدث، من لحظة معرفتها بعمران، إلى ما رأته من فيديوهاته، وحتى المواجهة الأخيرة بينهما.
استمعت وفاء إليها حتى النهاية دون مقاطعة.
ثم سألتها:
ـ وهو قالك إيه لما واجهتيه؟
أجابت ليلى بصوت مبحوح:
ـ ولا حاجة… واجهني بخطوبتتي من هشام.
ظلت وفاء تنظر إلى ابنتها طويلًا.
ـ اسمعيني يا ليلى… مهما كان اللي حصل، ما تسمحيش لنفسك تضيعي وسط الغضب والحب والندم. الغلط بيتصلح، لكن لازم الواحد يبقى شجاع ويواجهه.. ولو عمل كدا فعلا خدي حقك منه بس بهدوء
ثم مسحت على شعرها:
ـ وأنا زعلانة منك… أيوه، زعلانة جدًا.
رفعت ليلى عينيها بدموعها.
ـ بس عمري ما هسيبك لوحدك.. اتمنى يابنتي توقفي مع نفسك، وتعاتبيها، وتقعدي تلومي نفسك على الغلط دا، انا مش هعاقبك، لان كفاية عليكي كسرة عينك قدام نفسك
انهارت ليلى في حضنها من جديد، بينما أغمضت وفاء عينيها، وضمت ابنتها بقوة…
فهي لم تأتِ إلى القاهرة لتجلد ابنتها.
أتت لأنها أم… والأم قد تغضب من ابنتها، وقد تعاتبها، لكنها حين تسقط ابنتها، تكون أول يد تمتد إليها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى