منوعات

قدر لايشبه بقلم سيلا وليد 3

الها فريد بعتاب واضح.
نظرت ليلى إلى شقيقها، ثم عادت بعينيها إلى عمران، وقالت بخجل:
— آسفة يا عمران بيه.
تردد حديثها لاذنه عدة مرات، دلفت نيفين
_عمران اتأخرت؟!
رمقتها ليلى بنظرة سريعة، نظرت الى ثيابها بامتعاض، جيب اسود من الجلد فوق الركبة، وكنزة صوفية باللون الابيض، فوقها سكارف، وتترك لخصلاتها العنان
أشار عمران الى ليلى بيده نحو الباب، وقال بلهجة حاسمة عكس مايشعر به:
— استني أخوكي برّه.
مطّت ليلى شفتيها بضيق، ثم التفتت إلى فريد وهمست:
— بنطرد.
هز فريد رأسه محاولًا إخفاء غضبه منها، فتحركت ليلى إلى الخارج دون أن تضيف كلمة، مرت بجوار نيفين، ومازالت نظراتها تخترقها، بينما ظل عمران يتابعها بعينيه حتى اختفت خلف الباب.
سحب نفسًا عميقًا، ثم ضغط على زر الاتصال الداخلي:
_ ابعتلي مدحت.
_نيفين شوية وجاي.
تأففت بضجر، ثم تحركت للخارج
لم تمضِ سوى دقائق حتى دلف مدحت إلى المكتب.
— مدحت… شوف فريد هيقولك إيه، وعايز تقرير كامل بكل اللي بيحصل في قسم الحسابات، من أول المشروع لحد النهارده.
تقدم فريد، ووضع الملف أمامه، ثم أخرج النسخة الأصلية من بين الأوراق، وقال بجدية:
— فيه فرق سبعة مليون بين المتسجل في الحسابات والأرقام الموجودة في الورق الأصلي. أنا راجعت الملف أربع مرات يا عمران بيه، لدرجة إني نقلته بنفسي ورجعت راجعته من الأول. ولما لاحظت الاختلاف، جيت لحضرتك، بس للأسف مقدرتش أقابلك.
أمسك مدحت بالملف، وراح يقلب صفحاته بسرعة، ثم قال:
— أيوه يا عمران بيه… بس شهاب هو اللي كان بيراجع المشروع الفترة اللي فاتت.
توقف عمران عن تقليب الأوراق.
نقر بأصابعه على سطح المكتب، وعيناه معلقتان في نقطة بعيدة، بينما بدأت الاحتمالات تتزاحم في رأسه.
سبعة ملايين.
رقم لا يمكن أن يكون مجرد خطأ في الحساب.
رفع عينيه إلى مدحت، وقال بهدوء بارد:
— مدحت… غيّر المحاسبين المسؤولين عن المشروع ده، وانقل شهاب فرع ستة أكتوبر.
اتسعت عينا مدحت:
— معقول يا عمران بيه؟
رفع عمران الملف، ثم همَّ بالخروج، لكنه توقف فجأة.
— ولا أقولك… استنى.
التفت إليه، وقال:
— أنا هراجع الملف بنفسي.
ثم أضاف بنبرة ساخرة خفيفة:
— أنا أصلًا اعتذرت النهارده عن اجتماع المناقصة بسبب سي فريد وأخته.
خفض فريد رأسه بحرج:
— آسف لحضرتك يا عمران بيه.
أشار عمران بيده إشارة مقتضبة، ثم خرج.
في الخارج، بينما  اتجه فريد نحو أخته،

ظلت  تتجول في أرجاء الشركة بفضول طفولي، تتأمل المكان باعجاب واضح
وصلت إلى المدخل، توقفت فجأة.
رائحة المطر.
رفعت رأسها، فرأت السماء وقد بدأت تنثر قطراتها فوق الأرض.
لم تفكر لحظة.
خرجت إلى أمام الشركة،  تنظر الى حبات  المطر، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة، صافية، تشبه ابتسامة الأطفال.
وبدون تردد، رفعت طرف فستانها قليلًا، ودارت حول نفسها تحت المطر، بينما تناثرت قطراته فوقها، ووقعت على وجهها.
ضحكت.
ضحكة صافية خرجت من قلبها، وكأنها نسيت العالم كله في تلك اللحظة.
في الطابق العلوي، دلف عمران إلى غرفة الاستراحة.
كانت ملك تقف أمام الشرفة الزجاجية، تراقب المطر، بينما كانت نيفين تجلس على أحد المقاعد وتتحدث مع شخص عبر هاتفها.
اقترب عمران من شقيقته، وأحاط كتفيها بذراعه.
رفعت ملك عينيها إليه، وابتسمت:
— المطر حلو أوي… ماما بتقول المطر خير.
أومأ عمران، لكن عينيه لم تبقيا على شقيقته طويلًا.
فقد جذبه شيء في الأسفل.
شيء لم يكن معتادًا على رؤيته.
توقفت عيناه عند الفتاة التي كانت تدور تحت المطر. ليلى.
ظلت تدور وتضحك، غير عابئة بملابسها التي ابتلت، ولا بنظرات الموظفين المتعجبة، ولا حتى بالبرد.
كانت مختلفة.. بريئة… لكن جريئة.
عفوية… بلا حساب.
وفي عالم عمران الذي اعتاد الوجوه المصطنعة والكلمات المحسوبة، بدت ليلى كشيء غريب اقتحم حياته دون استئذان.
في تلك اللحظة، خرج فريد.
اقترب منها، خلع سترته، ووضعها فوق كتفيها وهو يهز رأسه بيأس:
— مش هتبطلي جنان بقى؟
ضحكت ليلى، ثم تشبثت بذراع شقيقها، وسارا معًا باتجاه الخارج.
ظلت عينا عمران معلقتين بها حتى ابتعدت.
لاحظت ملك شروده، فتتبعت نظرته، ثم قالت:
— هي فعلًا شغالة هنا يا أبيه؟
لم يجبها.
بقلم سيلا وليد
كان ما يزال ينظر إلى أثرها، وكأن شيئًا داخله يرفض أن يشيح عنها.
رفع عمران عينيه أخيرًا، وقال بهدوء:
— أيوه.. لا يعلم لماذا قال ذلك
هل قالها لسبب لم يعرف له
وانجذابًا لم يعترف به بعد.
أما ليلى، فلم تكن تعرف أن ضحكتها تحت المطر تركت في قلب رجل اعتاد القسوة أثرًا لم تستطع السنوات أن تترك مثله.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى