
أخت جوزي شابة من ذوي الهمم، عندها إعاقة حركية وذهنية مخلّياها محتاجة رعاية طفل صغير: أكل، وشرب، ونظافة شخصية، وتمارين علاج طبيعي مستمرة. لما والدتهم اتوفت، إخواته كلهم اتملصوا من المسؤولية، وكل واحد اتحجج بظروفه وشقته الضيقة. جوزي قعد يعيط قدامي وقال لي: “دي لحمي ودمي ووصية أمي، لو مشيلتيهاش معايا هتدخل دار رعاية من القهر.. ولكِ الجنة.”
شيلتها بحب وبدون تردد، اعتبرتها بنتي الكبيرة. كنت بصحى من الفجر أعمل لها جلسات العلاج الطبيعي بإيدي، أحميها، ألبسها، وأقعد بالساعات أطعمها بالمعلقة عشان بتشرق بصعوبة. أصحابي بطلت أشوفهم، الخروج اتمنع لأن نزولها بالسلم المتحرك محتاج مجهود جبار وأنا ضهري ادمر من شيلها ونقلها من السرير للكرسي.
مع الوقت، إخواته الاتنين البنات بقوا يجوا زي التفتيش؛ يمسكوا هدومها يشوفوا ريحتها، لو لقوا بقعة أكل وقعت غصب عنها يبهدلوني: “انتي مش واخدة بالك منها، انتي مهملة، ربنا هيحاسبك على الغلبانة دي!” ولا واحدة فيهم فكرت تشيلها يوم واحد عشان أروح لدكتور العظام اللي بقيت ماشية بمسكنات بسببه.
والأمرّ من ده، جوزي اتغير تماماً؛ بقى يرجع وشه مقلوب، يشمشم في البيت بقرف ويقول: “ريحة الشقة بقت أدوية ومعقمات زي المستشفيات”، بقى ينام في الأوضة التانية ويقول: “أنا جاي من الشغل تعبان ومحتاج هدوء، مش قادر أشوف عياطها ونوباتها.” وبدأ يضيق المصاريف جداً: “العلاج الطبيعي والأدوية واكلين مرتبي، دبري نفسك بالقرشين دول وخلاص.”
وفي يوم، نزل من الصبح وقال إنه مسافر إسكندرية يومين لشغل طارئ ومهم هيعوض بيه خسايره. بالليل، أخته جالها دور برد وسخونة شديدة خلتها ترجع ونفسها يضيق. اتصلت بإخواته محدش رد، اتصلت بيه تليفونه مغلق. مكنش قدامي غير إني أطلب الإسعاف وأشيلها وسط صراخها لحد المستشفى لوحدي.
وهناك، في طوارئ المستشفى، الممرضة طلبت مني صورة بطاقتها أو أي تقرير طبي قديم من تليفون أخوها المسؤول عشان يفتحوا ملف الطوارئ. افتكرت إنه سايب التابليت بتاعه في البيت عشان الولاد، فكلمت ابني يجيبه لي المستشفى وفتحت “الصور والمحادثات” أدور على صورة لتقرير الأشعة القديم بتاع أخته.
بدل تقرير المستشفى، اتفتحت قدامي كارثة تانية خالص:
ألبوم صور وفيديوهات كاملة مرفوعة على سحابة التليفون في نفس الليلة ومن ساعتين بس؛ جوزي واقف على مسرح قاعة فخمة على البحر في إسكندرية، لابس بدلة توكسيدو شيك، وعروسته جنبه متألقة بفستان كب مرصع بالألماظ. مشهد ورا التاني بيحرق في روحي:
* فيديو وهو بيطير بيها في رقصة “السلو” وسط دخان أبيض وشماريخ، باصص في عيونها بابتسامة عاشق مراهق، نفس الراجل اللي كان بيبص لي بقرف ويقفل باب الأوضة في وشي!
* صور لشنط السفر الفخمة في جناح فندقي فاخر، ومحطوط جنبها مفتاح عربية جديدة مدلية بشريطة حمرا كاتب عليها: “هدية جوازنا يا أحلى ما في حياتي”.
* والأبشع، شات طويل بينه وبين إخواته البنات في نفس اليوم؛ باعتين له في الجروب: “ألف مبروك يا عريسنا، عقبال ما تنسى سنين النكد والهم.. ارتاح بقى وافرح، العروسة قمر وتستاهل الدلع”، وهو رادد عليهم: “أنا خلصت من الجحيم، بس خلوا بالكم من البت متخليهاش تتصل بيا تبوظ عليا الفرح، خلوها مع أختي تخدمها زي ما هي متعودة، ده أصلها ومقامها.”
وقفت في ممر المستشفى، ريحة المعقمات اللي كان بيقرف منها بتخنقني، وهدومي متبهدلة من ترجيع أخته المريضة اللي نايمة قدامي على السرير بتتألم ومسكت إيدي بتترجاني متسبهاش… والراجل اللي ضيعت صحتي وعمري وشبابي عشان يرفع راسه ويصون وصية أمه، دافع شقى السنين عشان يشتري راحة باله وعروسة جديدة، وسابني أنا البديلة المجانية اللي بتدفع تمن إنسانيتها من دم قلبها!
الممرضة شدت إيدي وهي بتسألني باستعجال عن رقم البطاقة، وصوتها كان جايلي من تحت المية.. وداني بتصفّر، وعيني مش شايفة غير الجملة اللي حفرت سكاكين في صدري: “خلوها مع أختي تخدمها زي ما هي متعودة، ده أصلها ومقامها”.
بصيت للبنت الغلبانة النايمة على ترولي الطوارئ، بتنهج من السخونية وإيدها المرتعشة بتدور على كفي تتشعلق فيه بخوف.. حسيت بغليان غريب، مزيج من قهر يهد جبال وقوة فجائية عمرها ما خطرت على بالي. الدموع اللي كانت جاهزة تنزل جفت واتحولت لنار. الطيبة المفرطة والمسكنة اللي عشت بيهم سنين اتبخروا في ثانية واحدة.
سحبت إيدي من إيدها بهدوء، من غير قسوة على البنت، بس بحسم قاطع. مش ذنبها، بس مش حملي ولا ذنبي أنا كمان أكون الضحية البديلة اللي بتدفع تمن أنانية عيلة كاملة.
فتحت تليفوني ورنيت على إخواته الاتنين، ولما ماردوش، سجلت فويس نوت على الجروب اللي كان لسه بيهنيه بالعروسة والدلع:
“أختكم في طوارئ مستشفى الحميات، حالتها صعبة والدكاترة عايزين قرار حجز ومصاريف. أنا أديت واجبي لحد هنا وزيادة، وقدامكم نص ساعة بالظبط تستلموها، لأني سيباها ونازلة، ولو مجيتوش المستشفى هتعمل محضر إهمال للمسؤول عنها.”
قفلت الخط، وخرجت من المستشفى برجلي من غير ما ألتفت ورايا ولا مرة. الهوا البارد في الشارع كان بيلسع وشي ويفوقني.. رجعت على شقتي، لميت هدومي وهدوم ولادي في الشنط، مسبتش ورايا فتلة واحدة. جمعت التابليت، وكل التقارير الطبية، ونسخة من الشات اللي شفته، وبعتّهم على تليفون والد العروسة الجديدة بمسج واحدة:
“ألف مبروك على عريس بنتك اللقطة.. اللي سايب أخته المريضة في المستشفى تصارع الموت، وسايب ولاده من غير مصاريف، عشان يشتري راحة باله ببنتك.. ورجاءً خليه يدبر شقة تانية عشان عفش بنتك هيترمي في الشارع أول ما أرفع دعوى التمكين.”
تاني يوم الصبح، مكنتش في المستشفى ولا في البيت بستناه يرجع بالشنط والبدلة الفخمة.. كنت واقفة قدام مكتب تسوية المنازعات في محكمة الأسرة، رافعة قضايا خلع، ونفقة متعة وصغار، وبلاغ تبديد لأي قرش أخده مني بحجة “مصاريف علاج أخته”.
ولما الموبايل بدأ ينفجر بمكالمات ورسايل من رقمه ورقم إخواته اللي كانوا بيشتموا وبيترجوا في نفس الوقت بعد ما أهل العروسة قلبوا الفرح لجنازة وطردوه، ماردتش بكلمة واحدة.. مسحت الشاشة، وبصيت لولادي وأنا برتب خطوتي الجاية، وعارفة إن الخدامة اللي استباحوها خلاص ماتت، واللي واقفة مكانها دي واحدة بتسترد روحها وتمن كل دقيقة هانت فيها كرامتها.
رجعت من المستشفى في نفس الليلة وأنا حاسمة قراري، خلاص مبقاش فيه مكان للضعف ولا للقلب الطيب اللي اتداس عليه بالرجلين. أول ما النهار طلع، طلبت نجار غيّر كالون باب الشقة بالكامل، وركب طبلة جديدة ولسان حديد مقفول، قعدت جوة بيتي مع عيالي وحصّنت نفسي، ورفضت أرد على أي مكالمة من إخواته اللي كانوا بيولولوا من وجود أختهم عندهم بعد ما استلموها من المستشفى بالعافية.

