
يا مدام ياسمين.. أنا كسبت قضية تثبيت دين قديم على المرحوم والدك، والورق اللي معايا عليه توقيع المرحوم ومبصوم في السجل التجاري من عشر سنين. المبلغ اللي أخدتيه من البنك ده حق ناس، ولو ما دفعتيش الـ ٩٠٠ ألف جنيه بالحسنى وخلال أسبوع، أنا هرفع دعوى تحفظ وتظلم على أموال البنات وهجمد الحسابات !”
الأستاذ فريد مسك الورق وبدأ يفحصه بدقة شديدة، ووشه بدأ يتغير. المبايعات كانت شكلها قديم جداً، والتوقيع كان شبه توقيع أبويا الله يرحمه بطريقة ترعب!
أنا قلبي اتقبض وحسيت إن الأرض بتلف بيا. قلت بصوت بيترعش:
“أبويا عمره ما استلف مليم من حد! أبويا عاش ومات وهو بيكافح وعمره ما دخل في تجارة ولا ساب دين! الأوراق دي مزورة!”
الحاج راضي ضحك بصوت واطي وقام وقف:
“المحاكم هي اللي هتقول مزورة ولا لأ يا هانم.. قدامك ٧ أيام ترجعي الفلوس وتتنازلي عن قضايا النفقة والشقة لعصام وعيلته، أو تحضري نفسك لجلسات التحفظ والإفلاس!”
خرج راضي وسابنا في المكتب. قعدت على الكرسي ومش قادرة أتنفس. عصام وهو جوة التخشيبة، استغل كل علاقته وجمع بقايا فلوسه عشان ياجر “حوت سرقة وقضايا” زي راضي، يطبخ أوراق مزورة بعناية فائقة وتوقيعات قديمة ملعوب فيها، عشان يلووا إيدي بأي طريقة ويجبروني أتنازل عن كل حاجة.
الأستاذ فريد بصلي وقال بجدية وصراحة:
“الورق اتعمل بحرفية عالية جداً يا مدام ياسمين.. المزور استخدم ورق قديم وحبر ميعاده مضبوط، والتوقيع مقلد بدرجة ممتازة. لو القضية دي مشيت بالطريق العادي، الخبير ممكن يطول فيها سنتين والحسابات هتقف!”
قلتله وأنا بمسح دموعي بقوة ورفعت رأسي:
“أنا مش هستسلم يا أستاذ فريد.. أبويا لا يمكن يظلمني وهو في قبره، وعصام وراضي مش أذكياء للدرجة دي، أكيد في غلطة.. في خيط صغير نسوا يغطوه!”
قعدنا أنا والأستاذ فريد ليلتين كاملتين بنفحص كل ورقة ومستند في ملفات أبويا القديمة اللي كنت شايلاها في كرتونة ذكرياته. كنا بنقارن التواريخ والأختام والمعاملات بالساعة والدقيقة.
وفجأة.. وأنا بقلب في دفتر التلفونات القديم بتاع أبويا وأجندته الشخصية لسنة ٢٠١٦ (السنة اللي مكتوب فيها عقد الدين المزور).. لقيت المفاجأة اللي هزت الكيان كله!
العقد المزور كان مكتوب فيه إن أبويا استلم المبلغ ووقع على الورقة في مقر الشركة بالقاهرة يوم ١٥ مايو ٢٠١٦!
وفي نفس اليوم ده بالذات.. أبويا الله يرحمه كان محجوز في المستشفى العام بأسيوط وبيعمل عملية جراحية دقيقة في القلب، ومعايا التقارير الطبية وتذكرة الدخول وجدول العمليات وختم المستشفى الرسمي اللي بيثبت إنه كان في غيبوبة تامة وتخت الرعاية المركزة لمدة أسبوع كامل شامل اليوم ده!
الأستاذ فريد قام وقف من فرحته مكتبه بيده:
“الله يرحمك يا راجل يا طيب! حتى وهو تحت التراب، ربنا بيظهر حقه وبركته! المستند الطبي ده يقضي على العقد والمبايعة تماماً ويثبت التزوير المادي والمعنوي بالدليل القاطع!”
في اليوم المحدد للجلسة الطارئة أمام قاضي الأمور الوقتية، حضر الحاج راضي ومحاميه وهما متأكدين إن النصر في جيبهم، وشايلين أوراق الدين بكل تبجح.
وقف الأستاذ فريد قدام منصة القضاء وقال بكل قوة:
“سيادة القاضي.. يقدم المدعي عقداً مزوراً يدعي فيه أن المرحوم والد الموكلة قد وقع واستلم أموالاً بتاريخ ١٥ مايو ٢٠١٦ بالقاهرة. ونحن بنقدم لسعادتك الشهادة الحاصلة من التفتيش الطبي والمستشفى الحكومي التي تؤكد أن المتوفى كان في هذا التاريخ في حالة غيبوبة جراحية داخل العناية المركزة بمحافظة أسيوط ومستحيل تواجده أو توقيعه!”
القاضي بص للتقرير الطبي وأوراق المستشفى، وبعدين بص للحاج راضي ومحاميه بنظرة غضب عارمة. وجه راضي اصفرّ وبدأ يتلجلج ويتراجّع لورا:
“يا فندم.. أنا.. أنا يمكن اتلخبطت في التاريخ..”
القاضي ضرب بالمطرقة على الترابيزة وقالي بصوت حاسم:
“تتلخبط في النيابة العامة! احالة الأوراق فوراً لنيابة الأموال العامة والقبض على المدعي داخل القاعة بتهمة التزوير في محررات عرفية وتقديم أوراق مزورة للقضاء والابتزاز!”
الحرس دخلوا وقبضوا على الحاج راضي وسط صدمة محاميه وذهول الحاضرين في القاعة!
في التحقيقات التكميلية، راضي ما استحملش التخشيبة وساعات التحقيق، واعترف بكل حاجة.. اعترف إن عصام هو اللي خطط للعملية دي من جوة السجن بالاتفاق معاه مقابل نسبة من الفلوس، وإنهم استخدموا ورقة قديمة عليها بصمة فاضية لأبويا كانوا سرقوها من أوراق بيتنا القديم!
وبكده، أُضيفت قضية جديدة لملف عصام.. تهمة التزوير والاشتراك في التزوير واستعمال محررات مزورة، ليرتفع مجموع أحكامه ومستقبله ورا الشمس!
خرجت من المحكمة وأنا حاسة إن السلسلة الثقيلة اللي كانت حلقة بحلقة. بس ما كنتش اعرف إن ضربة النهاية، والستارة الأخيرة اللي هتتقفل على عصام وعيلته للأبد، بتتجهز في السر وفي مكان ما حدش يتوقعه…
شغلي كبر، والشقة الجديدة بقت دافية بأضحاك البنات، وكل خطوة مشيتها من يوم ما وقفت لعصام كانت بتثبتلي إن

