Uncategorized

حكايات نور محمد الاخير

بعد مرور ستة أشهر على صدور الحكم، كانت الحياة في شقتنا الجديدة قد استقرت تماماً. البنات اتأقلموا مع مدرستهم الجديدة، وضحكاتهم بقيت تملى البيت من غير خوف ولا ترقب. شغلي في مراجعة الحسابات كبر، وبقت لي سمعة طيبة في السوق، وتأمين مستقبل البنات بتعويض أبويا الله يرحمه كان الشراع اللي ممشي سفينتنا في أمان.

لكن غل عيلة عصام وطمعهم ما كانش ينتهي  ابنهم.

في يوم وأنا نازلة الصبح عشان أودي البنات المدرسة، لقيت حماتي ومعاها سلفي الكبيـر “عادل” واقفين تحت العمارة. أول ما شافوني، عادل قرب عليا وبصلي بتحدي وسفالة، وحماتي بدأت  وتعمل هيصة في الشارع:

“أهي النصابة أهي! أهي اللي رميت ابننا في  وأخدت  وفلوسه وقاعدة تتنعش هي وبناتها!”

الجيران بدأوا يطلوا من الشبابيك. مسكت إيد بناتي وقفت بثبات وقالت بعين قوية:

“الزم حدودك يا عادل أنت وهي! ابنكم محبوس بأمر القضاء دي من عرقي وتعب أبويا الله يرحمه، لو ما مشيتوش حالاً هطلب النجدة واعملكم محضر عدم تعرض!”

عادل قرب مني ونزل راسة وقال بصوت واطي ومسموم:

“فكراها خلصت يا ياسمين؟ فاكرة إنك لما طحنتِ عصام وأخدتِ البنات  تبقي كسبتِ؟ عصام من جوة التخشيبة نقل ملكية البيت القديم وأرض العيلة اللي حيلتنا باسمي أنا، ورفعنا عليكي دعوى رد حضانة وسحب البنات منك بتهمة إنك غير أمينة عليهم وتعملي في مكان غير مشروع!”

الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، بس ما أديتلوش الفرصة يشوف الخوف في عيني. ضحكت بشرارة قوة وقلتله:

“أعلى ما في خيلك اركبه يا عادل.. القضية اللي اترفضت في النيابة هترفضها المحكمة، والبنات دول لحمي ودمي والقانون معايا.”

أخدت البنات ومشيت، بس قلبي كان بيغلي. اتصلت فوراً بالأستاذ فريد وحكيتله اللي حصل تحت العمارة وعن دعوى الحضانة الوهمية اللي عادل  بيها.

الأستاذ فريد قال بجدية:

“مدام ياسمين، عادل ده مأجر محامي تحت السلم، ومستغل إن عصام في  فبيحاول يضغط عليكِ بأوراق مزورة عشان تروحي تتنازلي عن حقوق البنات في نفقة ومؤخر عصام مقابل إنه يسيبلك الحضانة! ده ابتزاز رخيص، بس لازم نلعبها صح.”

خلال أسبوعين، كانت أول جلسة في دعوى نقل الحضانة اللي رفعها عادل بدعوى إنني مش متفرغة للبنات وبشتغل ساعات طويلة خارج البيت. عصام كان بعت توكيل رسمي لعادل من جوة  عشان ينوب عنه في كل المسائل القضائية الخاصة بالبنات.

في قاعة المحكمة، وقف محامي عادل يدعي كذباً وبأوراق  إني بسيب البنات لوحدهم في البيت بالساعات، وإن بيتي غير آمن، وطالب بنقل حضانة البنات لحماتي!

وقف الأستاذ فريد بكل هدوء وثقة قدام القاضي، وقدم ملف كامل مجهز بعناية:

“سيادة القاضي.. بنقدم لسعادتك شهادات التفوق الدراسي للصغيرتين، وتقارير رسمية من المدرسة تشيد بالمتابعة والأخلاق، بالإضافة لعقد الملكية الخاص بشقة الموكلة وأوراق دخلها المشروع والمستقر كمراجعة حسابات معتمدة. أما بالنسبة للمدعي وتوكيله، فبنقدم شهادة رسمية تثبت إن الجدة المطلوب نقل الحضانة إليها تعاني من أمراض مزمنة تمنعها من الرعاية، بالإضافة لإرفاق صور أحكام  الصادرة ضد الأب في قضايا التزوير والأمانة!”

القاضي بص للأوراق ولعادل ومحاميه بنظرة صارمة، وقال:

حكمت المحكمة برفض الدعوى وتثبيت الحضانة للأم، مع إلزام المدعي بالحرص والمصاريف!”

عادل خرج من القاعة ووشه جايب ألوان، ومحامي عيلتهم بيحاول يداري خيبته. بس عادل ما استسلمش.. الطمع في فلوس  ونقمته مني خلته يفكر في  أكبر !

بعد الجلسة بأيام، كنت راجعة البيت بالليل بعد ما خلصت شغل متأخر. الشارع كان هادي والمحلات تقريباً قافلة. وأنا داخلة مدخل العمارة، حسيت بخطوات سريعة ورتبي بتجري ورايا.

قبل ما ألتفت، إيد قوية ومغطاة بقماش كمّمت بوقي  لورا اتجاه عربية متأمنة ومفيهاش نمر!

حاولت أصرخ وأقاوم بكل قوتي، أضرب برجلي وأخربش، بس الشخص كان ضخم وقوي.. وفي لحظة ما كان بيحاول يزقني جوة العربية، لمحت وشه في ضوء عمود النور…

كان عادل سلفي ومعاه شخص تاني مأجره!

عادل قال بغل وهو بيحاول يقفل باب العربية عليا:

“مش هترجعي لعيالك يا ياسمين إلا وأنتِ ماضية على التنازل عن كل حاجة وعن قضية عصام.. النهاردة هتدفعي تمن كل اللي عملتيه في عيلتنا!”

بس عادل نسي إن ربنا دايماً مع المظلوم…

في نفس اللحظة اللي العربية كانت بتبدأ تتحرك فيها وأنا بعافر معاه جوة، صرخت بعلو صوتي وزقيت دركسيون العربية بيدي بكل قوة، العربية انحرفت وخبطت بوزها في الكشك اللي على أول الشارع بصوت انفجار رنان!

صوت الخبطة والكركبة صرّخ الشارع كله، والشباب والجيران خرجوا يجرو من كل حتة على مصدر الصوت، وحاصروا العربية قبل ما عادل وصاحبه يقدروا يهربوا!

خرجت من العربية وأنا باخد نفسي بالعافية ودموعي نازلة، وشاورت على عادل قدام أهل الشارع والجيران:

“الحقوني! الحرامي ده كان بيحاول   أتنازل عن بناتي!”

الناس في الشارع ما استنوش، مسكوا عادل والتاني ونزلوا فيهم  ومنعوهم من الحركة لحد ما عربية النجدة وصلت في دقائق معدودة!

في قسم الشرطة، اتكتب مح المحضر الصريح: “محاولة  وترويع واحتجاز بدون وجه حق واستخدام قوة ضد سيدة”. عادل كان قاعد في الكلبشات ووشه متورم ويديه بتترعش، مش قادر يرفع عينيه فيا.

حضر الأستاذ فريد ومعه التهديدات السابقة وقدمها للنيابة، وتم عادل وشريكه ٤ أيام على ذمة التحقيق تجددت لـ ١٥ يوماً مع إحالتهما لمحكمة     بالقوة!

وقفت قدام عادل في التخشيبة قبل ما ينقلوه، وقعدت أردد نفس الكلمة اللي قيلتهالي عيلته زمان:

“عصام في السجن ٥ سنين.. وأنت رايحله بنفس التهمة وفي نفس المكان. الطمع كان عماكم، بس ربنا بالمرصاد.”

رجعت بيتي، حضنت بناتي بكل قوة ودموعي نازلة بس المرة دي كانت دموع راحة وأمان. عيلة كاملة كانت فاكرة إن الفلوس والقوة بالصوت العالي والبلطجة، وما عرفوش إن حبل الظلم قصير جداً وإن الله لا يصلح عمل المفسدين.

لكن الأحداث ما انتهتش هنا.. لأن عصام جوة السجن لما عرف بخبر حبس أخوه عادل وفشل خطتهم، أتعفرت أكتر، وبدأ يخطط لآخر كارت في إيده عن طريق شخص غريب ظهر فجأة في حياتي وادعى إنه…

ادعى إنه الشريك الخفي لأبويا الله يرحمه في التجارة القديمة، وجايب معاه أوراق رسمية ومبايعات قديمة عليها توقيع أبويا بتثبت إن مبلغ الـ ٩٠٠ ألف جنيه ده مش تعويض، بل هو دين مستحق للشركة القديمة ولازم يترد فوراً!

الراجل ده كان اسمه “الحاج راضي”، راجل شكلاً يبان عليه الهيبة والوقار، بس عينيه كان طالع منها نفس الغل والطمع اللي شفته في عينين عصام وعيلته. دخل عليا مكتب المحامي الأستاذ فريد وهو ماسك حافظة أوراق جافة ومبتسم ابتسامة ثقة :

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى