روايات وقصص

ابويا طول عمره كلمته هي اللي تمشي 1

سار أبي نحو نافذة الغرفة المظلمة، ونظر إلى الخلاء بره قبل أن يلتفت إلينا بجمود:

“عشان الشرطة كانت هتسجنك سنتين أو ثلاثة مع إيقاف التنفيذ بسبب نفوذ أبوه، أو كانت هتطلعك بكفالة وتدفع ديّة.. وأنا دم بنتي وحياتها اللي اتدمرت ما يتوزنوش بفلوس ولا بأحكام صورية! أنا كنت عايزك تخش هنا بقدميك، تكتب عقد بملكية حياتك ونفسك، وتكون تحت إيدي برغبتك القانونية والشرعية!”

وقف إبراهيم بصعوبة، مستنداً على حرف الفراش. كان وجهه شاحباً كالجثة، ودموعه تسيل على وجنتيه، لكن ظهرت في عينيه لمحة من الاستسلام العجيب. لم يحاول الهرب، ولم يحاول الصراخ أو طلب المساعدة، بل قال بصوت خافت:

“طب والمأذون؟ والناس اللي بره؟ وأبويا اللي فاكر إني بتجوز بنت حد من معارفه؟”

رد أبي بابتسامة خبيثة:

“المأذون صح، والعقد صحيح مئة في المئة، والشهود بياخدوا فلوسهم وبره بياكلوا ويشربوا. أنت دلوقتي جوز بنتي رسمياً وشرعياً أمام القانون والسماء. ومحدش بره الأوضة دي يعرف أي حاجة عن الحقيقة.. أبوك فاكر إنك بتصلح حياتك وبتبدأ من جديد، وما يعرفش إنك دخلت العرين بنفسك.”

في تلك اللحظة، رفعت رأسي ونظرت لإبراهيم. لم أكن أرى فيه مجرماً سفاحاً، بل رأيت رجلاً مكسوراً بالكامل، حطمه الذنب قبل أن يطاله انتقام أبي. لكن الوجع الذي كان بداخل رأسي، والعلامة التي على جبهتي، والمستشفى التي قضيت فيها شبابي، كل ذلك جعل مشاعري تتخبط بين الكراهية والشفقة، وبين الذهول من القسوة التي يمارسها أبي.

نزلت من على الفراش وقفت بينهما، وأنا أتنفس بسرعة:

“وأنا يا بابا؟ أنا موقعي إيه في كل اللعبة دي؟ أنت استخدمتني كحجر شطرنج؟ خلاني أتجوز الراجل اللي دمر حياتي من غير ما أملك خيار؟ أنت ما فكرتش في مشاعري ولا في مستقبلي؟”

نظر إليّ أبي، ولأول مرة رأيت عينيه تدمعان ببطء، لكن قسوته لم تتزحزح:

“أنا عملت ده عشانك يا بنتي.. عشان لما تبصي في المراية وتشوف الجرح ده، تعرفي إن حظك ما ضاعش، وإن اللي عمل فيكي كده بيلحس تراب جزمتك بيكفر عن ذنبه تحت رجليكي! الزواج ده مش زواج طبيعي.. ده عقوبة مؤبدة.”

التفت أبي إلى إبراهيم وقال بلهجة آمرة:

“هتمضي دلوقتي على تنازل عن نص أملاكك باسم بنتي، وهتسلمني الأوراق اللي تثبت تورط أبوك في قضايا الفساد اللي جمعتها أنت بنفسك لما كنت بتحاول تتخلص من سيطرته عليك.. أنا عارف كل حاجة يا إبراهيم، عارف إنك كنت بتجمع أدلة ضد أبوك عشان تحمي نفسك.. الأوراق دي هتبقى معايا، ولو فكرت في يوم تهرب، أو تلمس شعرة من بنتي، أو تفتح بقك.. الأوراق دي هتكون على مكتب النائب العام، وأبوك وأنت هتروحوا في داهية!”

ساد الصمت من جديد. نظر إبراهيم إليّ بكسرة، ثم نظر إلى أبي، وهز رأسه ببطء بالوافق.

أخرج أبي من حقيبة صغيرة كان يحملها أوراقاً وقررت، وضعهما على الطاولة المقابلة للفراش، وجر إبراهيم كالأسر ليمضي. كانت يد إبراهيم ترتجف وهو يوقع اسمه على كل ورقة، وكان يسترق النظر إليّ بين الحين والآخر ونظراته مليئة بالاعتذار والألم.

وبعد أن انتهى إبراهيم من التوقيع، أخذ أبي الأوراق وفحصها بدقة، ثم وضعها في معطفه، ومشى نحو الباب. فتح القفل بهدوء، ثم التفت إلينا وقدم بضع كلمات جعلت الدماء تتجمد في عروقنا:

“ألف مبروك يا عرسان.. الليلة دي ليلتكم. أنت مش هتمشي من البيت ده يا إبراهيم.. هتعيش هنا، تحت عيني، خدام لبنتي ولبيتي، لحد ما أقرر أنا امتى وفين هتنتهي العقوبة دي.”

خرج أبي وأغلق الباب وراءه، وسمعت صوت القفل يغلق من الخارج مرة أخرى، لنتخلف أنا وإبراهيم في الغرفة المظلمة، يجمعنا العقد الشرعي، ويفرقنا بحر من الدماء، والانتقام، والذنب الصامت.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى