
فجأة، وبدون أي مقدمات، الست صرخت صرخة مكتومة وهي بترجع جسمها ورا لورا بملامح مرعوبة، وكأنها شافت كائن غريب طلعلها من تحت الكرسي.
الشنطة الجلد الغالية اللي كانت الست حطاها عند رجليها على الأرض، والشهيرة بماركتها المعروفة، كانت مفتوحة سنة صغيرة… ومن سوء حظها، إزازة العصير أو المياه الغازية اللي كانت حطاها جوه الشنطة ومغلقة بطريقة مش محكمة، اتقلبت تمامًا وشرخت من تحت!
البنطلون اتملا بقع ملونة كبيرة وشرب المية كلها، والشنطة الماركة اتغرقت من جوه وبره، وطبعًا الجزء اللي كانت زنقة نفسها فيه ناحية جدتي كان هو مركز التجمع للبهدلة دي كلها!
جدتي عدلت قعدتها بمنتهى الهدوء والوقار، وحطت رجل على رجل وهي بتقول بصوت واطي لكن مسموع للكل حواليهم:
— سبحان الله يا بنتي… أصل المساحة لما بتكون زحمة، الحاجة بتقع وتتدفق من غير ما نحس. لو كنتِ واخدة راحتك في كرسيك بس، كانت الشنطة فضلت عدلة وماكانش كل ده حصل!
المسافرين اللي كانوا قاعدين في الصفوف القريبة وشافوا موقف الست وطريقتها السمجة مع جدتي في الأول، بدأوا يبتسموا بداراة، وبعضهم ما قدرش يمسك نفسه وضحك بصوت واطي.
الست وشها بقى جايب ألوان من الكسوف والغضب، تحاول تلم الموقف أو تطلب مساعدة، لكن كبريائها كان مانعها.
في اللحظة دي، مضيفة الطيران جت بسرعة ومعاها فوط ورقية، ولما شافت المنظر وبصت للست اللي واقفة مش عارفة تقعد فين ولا تروح فين، المضيفة ابتسمت ابتسامة ذكية وقالت للست:
— معلش يا فندم، المنظر كده صعب وحضرتك مش هتعرفي تقعدي هنا طول الرحلة… للأسف الطيارة كاملة العدد، بس في كرسي واحد فاضي ورا خالص جنب حمام الطيارة وفي آخر صف… تقدر تنتقلي ليه عقبال ما ننظف المكان ده.
الست بصت للكرسي بتاعها المغرق، وبصت للبنطلون المتبهدل، ولقت عيون كل الناس بتبص عليها بشماتة واستحقاق… ما كانش قدامها أي حل تاني غير إنها تلم شنطتها المبلولة وتتحرك بسرعة لآخر الطيارة وهي مجرورة بالخيبة، وسط نظرات الذهول من الجميع.
أول ما الست مشيت، جدتي اتنفست براحة، وفردت جسمها في الكرسي بالكامل، وسندت ظهرها وخدت المساحة كلها وهي مبسوطة.
أنا ما صدقتش عينيا! قمت من مكاني وقربت منها بسرعـة، وقعدت على أطراف الكرسي الفاضي جنبها وقلتلها بصوت واطي وأنا هموت من الضخك:
— يا تيتة! إنتِ كنتِ عارفة إن إزازة العصير مفتوحة في شنطتها؟!
جدتي بصلتي بابتسامة دافية وخبيثة في نفس الوقت، وقالتلي وهي بتعدل طرحتها:
— أول ما قعدت وجت تزنق عليا، هي اللي زقت الشنطة برجلها بغشومية تحت الكرسي، فسمعت صوت الغطا وهو بيتفك وحسيت بالمية بتتسرب بالراحة… كنت هأنبهها من أول ثانية، بس لما لقتها بتتكلم عن سنّي وتقول الناس اللي زايي ماينفعش يسافروا… قلت أسيب القوانين الإلهية تاخد مجراها يا حبيبي!
ضحكت من قلبي إيدها.
لكن رحلتنا ما انتهتش عند النقطة دي…
بعد نص ساعة من الهدوء، والطيارة مطارة فوق السحاب، وبينما جدتي بصة من الشباك بالمنظر لأول مرة في حياتها…
فجأة، النور الداخلي للطيارة طفى ورجع اشتغل بسرعة، وصوت إنذار خفيف دوي في الجو، وطاقم الضيافة بدأ يتحرك غير عادي ناحية مقدمة الطيارة…
— هو إيه الصوت ده يا بني؟ هي الطيارة مالها بتتهز كده؟
— سيداتي سادتي، بنمر حاليًا ببعض جدتي مسكت إيدي بجمد ، وعينيها راحت ناحية وقالتلي بصوت وطي:
— المضيفة دي خايفة يا بني… وشها أصفر، ومش موضوع هواء وخلاص.
في اللحظة دي، سمعنا صوت خبط جامد جاي من أخر الطيارة، وتحديدًا من ناحية الكرسي اللي راحت قعدت فيه الست إياها جنب الحمام!
الست بدأت تصرخ بصوت عالٍ وهي طالعة تجري في الممر وبتشاور وراها برعب:
— الحقونا! فيه ريحة شياط ودخان طالع من الكابينة اللي ورا! الطيارة بتولع!
الكلمة نزلِت على الركاب زي الصاعقة. حالة من الفوضى والذعر سادت بين الناس، كل واحد بدأ يقوم من كرسيه ويصرخ، وطاقم الضيافة بيحاول يسيطر على المواقف بالعافية ويجبر الناس تقعد في أماكنها عشان التوازن.
المضيفة الرئيسية أخدت طفاية حريق صغيرة وجريت لورا بسرعة ومعاها واحد من الطاقم.
وسط كل الهيصة دي والناس اللي بتصرخ والأطفال اللي بتبكي، جدتي بصتلي بمنتهى الثبات اللي في الدنيا، وقالتلي بصوت هادي ومطمئن أغرب من الموقف نفسه:
— تقرأ سورة يس معايا يا حبيبي؟ ولا تخاف… اللي حفظنا في الأرض بعد دقائق مرت كأنها سنين، الدخان بدأ يخف، والمضيفة رجعت ووشها متغطي بالعرق، وفتحت المايك وهي بتتأوه من التعب وقالت:
الناس كلها اتنفسِت الصعداء، وبعضهم قعد يبكي من كثرة الشد العصبي.
الطيارة بدأت تنزل بالتدريج وتخترق السحاب الكثيف… ومن الشباك اللي جنب جدتي، بدأت الغيوم تتفرق واحدة واحدة.
وفجأة، والشمس بتشرق من بين السحاب، ظهر تحتينا خط أزرق لا نهائي بيلمع تحت أشعة الشمس…
الطيارة كانت بتهبط فوق المدينة الساحلية، والبحر ظهر بالكامل قدام عيون جدتي لأول مرة في حياتها.
جدتي سكتت تمامًا… دموعها نزلت على خدها بالراحة وهي باصة للشباك ومبهورة بالمنظر اللي — شكل البحر من فوق أحلى بكثير مما كنت بحلم يا بني… ربنا ما يحرمك من الفرحة زي ما فرحت قلبي.
عجل الطيارة لمس الأرض وأعلنت المضيفة وصولنا بسلامة الله.
ونزلنا من الطيارة وأنا ماسك إيد جدتي وبنستعد نخرج للشارع ونروح الشاطئ ونبدأ حكايتنا الحقيقية مع البحر…
أول ما باب المطار اتفتح وخرجنا للهواء الطلق، نسيم البحر البارد ضرب في وشنا.
جدتي وقفت مكانها، أخدت نفس طويل وعميق، وغمضت عينيها وهي بتستطعم ريحة اليود في الهواء، وابتسامة راحة دافية اترسمت على وشها كأن كل سنين التعب راحت في لحظة.
مسكت إيدها وتوجهنا فورًا للفندق اللي حجزته، وكان على الكورنيش.
أول ما فتحت باب الغرفة وطلعت بيها على البلكونة… البحر كان قدامنا ممتد لآخر أفق العين، أمواجه بتخبط بانتظام وصوت المية بيبعث الهدوء في الروح.
جدتي قربت من السور بخطوات بطيئة، حطت إيدها عليه وبصت للمية ودموع الفرحة اتجمعت في عينيها تاني، وقالتلي بنبرة كلها خشوع:
— سبحان الخالق يا بني… ياه! العمر ده كله عشته ومحرمة نفسي من الجمال ده؟ المصحف الشريف لما كان بيكلمنا عن البحر والمية، ماكنتش متخيلة إنه بالبهاء والاتساع ده كله!
قعدتها على الكرسي في البلكونة، وجبتلها كوباية شاي بالنعناع زي ما بتحبها، وقعدت تحت رجليها على الأرض وسندت رأسي على ركبتها.
فضلت تطبطب على شعري وتدعيلي أدعية طالعة من أعماق قلبها، وتتفرج على منظر الغروب والشمس بتغرق بالراحة جوه المية وتلون السماء بألوان البرتقالي والأرجواني.
قعدت تضحك زي الأطفال وهي بتشوف الموج بيجري تحت رجليها ويرجع تاني، ونسيت خشونة الركبة في اللحظة دي، وأنا شايف الفرحة الحقيقية بتنور عينيها، عرفت إن كل قرش وفرته وكل تعب تعبته علشان الرحلة دي كان يستاهل ألف مرة.
الست اللي في الطيارة كانت فاكرة إن العمر بيحدد حياتنا، لكن جدتي أثبتتلي إن الروح لما تحب تفرح، مفيش أي سن في الدنيا يقدر يوقفها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
