روايات وقصص

حمل كاذب الاخير

الكلمات نزلت عليه زي الكرباج، وحس لأول مرة بمدى الخسة والندالة اللي اتعامل بيها مع سهيلة، اللي كانت بتوفر من مصروف بيتها عشان تريحه، وتقول له “ربنا يرزقك ويوسع عليك يا أبو ابني”. بص للست اللي قدامه وشاف فيها الوحش اللي هو صنعه بإيده لما رخص بأهله وبيته الأولاني.تاني يوم الصبح، مكنش قدامه حل غير إنه ينفذ حكم تسليم القايمة عشان يهرب من عقوبة الحبس. جه مع المحامي بتاعه وعربيات النقل قدام عمارة سهيلة، وشه في الأرض مش قادر يرفع عينه في عين بواب ولا جار.

نزلت سهيلة ومعاها الأستاذ ممدوح ومحضر التنفيذ، واقفة بكل ثبات وعزة نفس، بتشرف على استلام كل مسمار في عفشها بالورقة والقلم. كان بيحاول يبص في عينيها يستجدي ذرة شفقة أو كلام، لكنها كانت بتتعامل معاه كأنه هوا، كأنه ملوش وجود من الأساس.وبعد ما حملوا آخر قطعة عفش وخلص المحضر الإجراءات، وقفت سهيلة وبصت له من فوق لتحت، وقالت بابتسامة هادية كلها ثقة:ـ ده حق ابني وحقي رجع.

. والورقة اللي باقية بيننا، المحكمة هتخلصهالي، عشان ميبقاش لاسمك أي أثر في حياتي تاني.لف وشه وركب عربيته مكسور ومذلول، ورجع شقته التانية وهو ملقاش حتى الراحة هناك، لقى البيت بارد، ومستنياه روشتات جديدة وفواتير وست بتعامله زي الغريب اللي بيدفع تمن إقامته.. وبدأت جدران الحفرة اللي حفرها لنفسه تضيق عليه، والدنيا تلف وتوريه إن اللي بيظلم ويبيع ضناه مبيكسبش في الآخر غير الخراب.مرت الأسابيع تقيلة وكئيبة عليه، في حين إنها كانت بتمر عليا خفيفة ومليانة راحة بال وعوض من ربنا.

نقلت عفشي في شقة صغيرة هادية على قدي أنا وابني، وبدأت أرتب حياتي من جديد من غير قلق ولا خوف من غدر ولا تهديد. النفقة كانت بتنزل في حسابي كل أول شهر بالمليم وبأمر المحكمة، ومبقتش محتاجة حتى أسمع صوته أو أشوف خياله.في الناحية التانية، كان ميعاد سحب البويضات لمراته الجديدة جه، ودخلت المستشفى وعملت العملية بعد ما دفع آخر مليم كان حيلته في البنك واضطر يستلف عشان يغطي مصاريف الأدوية والحضانة المعملية.

كان قاعد في استراحة المستشفى، عيونه غرقانة في التعب، ومستني يسمع الخبر اللي دفع تمنه كرامته وفلوسه وبيته.خرج الدكتور بعد ساعات، وشه مكنش مبشر بالخير خالص، وقرب من وائل اللي وقف بسرعة بلهفة:ـ خير يا دكتور.. طمني، كم جنين ذكور طلعوا معانا عشان نرجعهم؟!قلع الدكتور نضارته واتنهد وقال بأسف:ـ للأسف يا أستاذ وائل.. جودة البويضات بعد التنشيط المكثف مكانتش مناسبة، ومع الفحص الجيني المتقدم لتحديد النوع، مفيش أي أجنة ذكور صالحة للانقسام أو الزرع، والمحاولة دي فشلت تماماً.. محتاجين نوقف كل حاجة ونريح الرحم كذا شهر ونعيد من الأول ببروتوكول جديد.

الكلمة نزلت على دماغه كأنها رصاصة؛ الفلوس طارت، والتعب راح في الهوا، ومفيش توأم ولا عيال!دخل أوضتها وهو ساند على الحيطة من الصدمة، بس أول ما فتح الباب وشافتها داخل، مكنتش بتعيط على تعبها ولا زعلانة على فشل العملية، أول كلمة نطقتها وهي بتصرخ فيه بغل:ـ دكتور فاشل ومستشفى زبالة! إنت استخسرت وجبتلي أرخص مركز! إنت السبب في كل اللي بيحصل ده! هتجمع فلوس من تحت الأرض وهنروح مركز تاني أكبر وأغلى من ده، وإلا ورقة طلاقي توصلي الليلة ومش هقعد معاك دقيقة واحدة!

وقف وائل باصص لها والذهول شل كل حواسه، وفجأة ضحك بصوت عالي.. ضحكة هستيرية مليانة مرار وقهر. بص في عينيها وقال بصوت كان هادي من كتر الوجع:ـ ورقة ؟ ده اللي همك؟! الفلوس خلصت يا هانم.. الرصيد صفر، ومرتبي محجوز عليه لنفقة ابني اللي رخصت بيه، وأنا على الحديدة!سكتت وبصت له  وسحبت شنطتها من جنب وقامت وقفت من غير حتى ما تراعي تعبها وقالت ببرود:ـ على الحديدة؟! يبقى ملكش لزمة عندي.. اللي يخليني أستحملك وإنت معاك فلوس، ميخلينيش أقعد معاك وإنت شحات ومتبهدل في المحاكم!

سابت الأوضة وخرجت ورزعت الباب وراها، وسابته واقف لوحده في وسط الأوضة الفاضية، محاصر بديونه وندمه قلبه. افتكر ابنه اللي كان في وافتكر سهيلة اللي كانت تشيل عنه الهم برضا وحب، وأدرك بعد فوات الأوان إنه خسر كل حاجة.. خسر الست الأصيلة، وخسر ضناه، وخسر فلوسه، عشان سراب اسمه الطمع والغرور، وبقى قاعد بين أربع حيطان مبيسمعش فيهم غير صدى ذله وندمه اللي هيفضل يعيش معاه طول العمر.مرت الشهور، وعجلة الزمن بتلف وتدور ومبترحمش حد كان ظالم ومفتري.أنا وابني بدأنا حياة جديدة بكل ما في الكلمة من معنى؛

الشقة بقت جنة صغيرة دافية، ضحكة ابني ملت الأركان، وسجلته في مدرسة كويسة، وبقيت بشتغل وبطور من نفسي، وحسيت إن ربنا نزع من قلبي أي أثر للوجع، وزرع مكانه رضا وراحة بال لا تتقدر بمال. حكم رسمي والمحكمة حكمت بكل حقوقي ومؤخري، وبقى اسمي حر، ومبقاش بيني وبينه غير ورقة النفقة اللي بتنزل كل أول شهر تخصم من مرتبه بالمليم.في الناحية التانية، كانت الدنيا اسودت تماماً في وش وائل. مراته الجديدة سابته ورفعت عليه خلع لما اتأكدت إنه مفلس ومبقاش معاه مليم، ومخدش منها غير الخراب والديون. باع عربيته عشان يسد مصاريف المستشفيات والديون اللي استلفها، وبقى رايح جاي على رجليه مكسور الضهر، عيونه تايهة وملامحه عجزت عشر سنين قدام في كام شهر.

وفي يوم من الأيام، وأنا خارجة من باب مدرسة ابني وماسكة إيده في إيدي، وفرحانين بالشهادة والدرجات الحلوة اللي جابها، لمحت خيال راجل واقف بعيد تحت شجرة، لابس هدوم متبهدلة ووشه شاحب وعيونه غرقانة في الدموع. كان هو.. واقف يبص على ابنه من بعيد، ومش قادر حتى يقرب خطوة واحدة من كتر الخزي والكسوف.الولد مخدش باله منه، لكن أنا عيني جت في عينه لثواني معدودة؛ ثواني شوفت فيهم كل معاني الندم والذل والانكسار اللي في الدنيا، شوفت راجل رخص بأهله وضناه عشان سراب، والنهاردة واقف على الرصيف ملوش أي وجود في حياة ابنه غير اسم في شهادة ميلاد بيسدد تمنه كل شهر وهو صاغر.

مسكت إيد ابني وضغطت عليها بحب، ولفيت وشي عنه ومشيت بخطوات واثقة لقدام، من غير ما ألتفت ورايا ولا حتى أرمي عليه نظرة شفقة واحدة.. سبته واقف في مكانه، يحصد الشوك اللي زرعه بإيده، ويعيش بقية عمره مع العقاب الأكبر: إنه خسر الجنة اللي كانت بين إيديه، ومفضلش معاه غير الندم اللي بياكل في روحه لحد آخر يوم في عمره.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى