عام

الحادي عشر قدر لايشبه بقلم سيلا وليد

اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك

قدرًا لايشبهه بقلم سيلا وليد

ارتدت ذلك القميص الأحمر، ثم وقفت أمام المرآة للحظات، قبل أن تستند بظهرها إلى الخزانة، وعيناها معلقتان بانعكاسها.

_ يا ترى هيشوفني حلوة زيها، ولا هي أحسن مني طبعًا؟

دارت حول نفسها ببطء، تنظر إلى القميص.

كان القميص مفتوحًا أكثر مما ينبغي، يُظهر أكثر مما يخفي، حتى اتسعت عيناها في صدمة، وهزّت رأسها بعنف.

_ أنتِ مجنونة… اتجننتي خلاص! الغيرة عمت عينيكي، مش عايزة تعقلي… مش كفاية تهور بقى؟!

مدّت يدها تلملم القميص، ثم نظرت إلى نفسها من جديد، وكأنها تحاكم ذاتها على ما فكرت فيه.

لكن صورة عمران لم تفارق رأسها… قربه من نيفين، نظراته إليها، وجودها بجواره… كلما حاولت طرد الصورة، عادت أشد قسوة.

خانتها ساقاها، فجلست على المقعد، وانفجرت في بكاء مكتوم لم تعد قادرة على كتمانه.

بكت… وبكت.

حتى شعرت بألم حاد يعتصر صدرها، فوضعت كفها فوق قلبها، وانكمشت على نفسها.

لماذا يؤلمها الحب إلى هذا الحد؟

هل كان هذا عقابًا من ربها حين تجاوزت حدوده، وسمحت لمشاعرها أن تسبق عقلها؟

هل أراد الله أن يريها كيف يمكن للإنسان أن يؤلم نفسه حين يجعل قلبه متعلقًا بغيره أكثر مما ينبغي؟

أغمضت عينيها، وانسابت دموعها بحرارة.

الأشد قسوة أن الرجل الذي أحبته حتى صار أقرب إلى نبضها… هو نفسه من جعلها تشعر بهذا الوجع.

أغمضت عينيها، تشعر بالألم يحرق روحها.

_ أكيد ربنا بيعاقبك يا ليلى… شوفتي وصلتي نفسك لفين؟

❈-❈-❈
في الخارج…

بعد أن خرج عمران، هبط إلى الطابق السفلي، فوجد وفاء تتجه نحو المطبخ.

توقف للحظة، ثم تحرك خلفها.

كانت تقف مع إحدى الخادمات، تسألها عن الطعام الموجود.

_ قولي لي يا بنتي، فين الحاجات اللي بتطبخوها؟ عايزة أجهز لقمة لليلى.

ابتسمت الخادمة بحرج.

_ ارتاحي حضرتك وقولي عايزة إيه وأنا أعمله.

هزّت وفاء رأسها سريعًا.

_ لا يا بنتي، مش عايزة أتعبك. عايزة بس تجيبي لي أي حاجة أطبخها بإيدي.

_ طنط وفاء.

التفتت إليه.

كان عمران واقفًا عند باب المطبخ، يراقبها بنظرة هادئة، ثم أشار للخادمة بالانصراف.

_ جهزي العشا وطلعيه فوق.

عاد ببصره إلى وفاء.

_ ممكن نتكلم خمس دقايق؟
أومأت بصمت.

قادها إلى مكتبه، وأشار لها بالجلوس، ثم جلس خلف مكتبه.

ساد الصمت للحظات…

صاح عمران بغضب.

_ مع الواد دلوقتي يا علي بيه، دي أمانتي ليك.

ـ طيب اهدى، يعني هي في البيت؟ يا عمران، إيه اللي عرفني إنها هتخرج؟

❈-❈-❈
بعد دقائق، وصل عمران إلى إحدى الشقق داخل أحد المباني، وترجل من سيارته بخطوات سريعة تكاد تسبقه إليها أنفاسه.

كان عقله يرفض أن يستوعب ما يحدث، وكل الاحتمالات السوداء راحت تتزاحم داخله مع صورة أخته.

ماذا لو كان قد تأخر؟

ماذا لو وصلت إليها يد الغدر قبل أن يصل هو؟

صعد الدرج بخطوات متعجلة، حتى وجد بواب العمارة ينتظره أمام الباب.

قال الرجل بارتباك:
_ أنتَ عايز مين؟

_ صاحب الشقة دي هنا؟

هز البواب رأسه.

_ طلع من شوية يا بيه… وكان معاه بنت، وبعتني أجيب له مشروب.

اشتعلت عيناه.

ـ أنهي شقة من دول؟

أشار إلى الباب.

فقال عمران:
_ خبط يلا.

مرت ثوانٍ بدت لعمران كأنها دهر كامل، قبل أن يُفتح الباب أخيرًا.

ظهر الشاب أمامهم بملامح مستفزة، وقال بضيق:
_ إيه اللي أخرك يا راجل يا متخلف؟

لم يمنحه عمران فرصة لإكمال كلمته.

اندفعت قبضته إلى وجهه بقوة، فسقط الشاب أرضًا، قبل أن ينقض عليه عمران بغضب أعمى، يفرغ فيه كل ذرة خوف عاشها خلال الدقائق الماضية.

لم يكن يرى أمامه سوى وجه أخته.

أمسكه من ملابسه ورفعه بعنف، ثم دفعه بعيدًا حتى سقط أمام حرسه.

فقال عمران بصوت منخفض، لكنه كان أكثر رعبًا من الصراخ:
_ لو لمستها بس… هموتك.

ثم استدار ودلف إلى الشقة دون أن ينتظر ردًا.

_ ملك!

خرج اسمها من بين شفتيه مرتجفًا رغم محاولته التماسك.

أخذ يبحث عنها بعينين مذعورتين، يفتح الأبواب واحدًا تلو الآخر، وقلبه يخبط داخل صدره بعنف.

_ ملك!

توقف… وتجمد جسده بالكامل.

وجدها فوق الأريكة، ممددة بلا حراك، تغفو وكأنها غارقة في نوم ثقيل، وخصلات شعرها مبعثرة حول وجهها، وثيابها غير مرتبة.

تقدم نحوها ببطء.

_ ملك…؟

لم تجبه.

انحنى أمامها، ووضع يده على كتفها وحركها برفق.

_ ملك… اصحي.

اقترب أكثر، يتحسس أنفاسها، وحين شعر بها، خرج زفير مرتجف من صدره.

ارتعشت أصابعه وهو يبعد خصلات شعرها عن وجهها، ثم حملها بين ذراعيه بحذر، وضمها إلى صدره، وقلبه يعصره الألم.

_ أنا جيت يا حبيبتي… خلاص، أنا هنا.

أغمض عينيه لحظة، وكأنه يحاول أن يسيطر على الرعب الذي يكاد يمزقه من الداخل، ثم شد ذراعيه حولها أكثر.

كان قد وصل في الوقت المناسب… لكن رؤية أخته بهذه الحالة كانت كافية لتوقظ داخله أسوأ مخاوفه.

في الداخل، كانت الخادمة تركض بحثًا عن عمران.
ـ عمران بيه!
توقفت أمام إحدى الخادمات.
عايزة عمران بيه
ـ إنتِ مين وعايزاه ليه؟
ـ ليلى هانم مراته خرجت من الفيلا
في تلك اللحظة، كان عمران يقف أمام والدته، يحاول السيطرة على غضبه.
قال بصوت مختنق:
ـ ليه ما قولتيليش إن عمي حاول يضغط عليكي علشان توافقي تتجوزيه؟
نظرت إليه والدته بحزن.
ـ علشان مشوفش شكلك كده… الموضوع انتهى وأنا اتصرفت.
ضحك عمران بسخرية مريرة.
ـ اتصرفتي؟
اقترب منها.
ـ ضحك عليكي، وأخد شقى أبويا، وبعت حد يستغل بنتك ويضغط عليا بيها… وده اسمه اتصرفتي؟
ارتفع صوته أكثر:
ـ ده لعب بشرفي أنا!
وقبل أن تكمل والدته حديثها، جاء صوت الخادمة المرتبك:
ـ الحق يا عمران بيه!
استدار إليها فورًا.
ـ في إيه؟
ـ ليلى هانم خرجت من الفيلا… وقالت للحارس إنها الشغالة الجديدة.
تجمدت ملامح عمران.
أما والدته فعقدت حاجبيها بدهشة:
ـ ليلى هانم؟ مين ليلى دي يا عمران؟
لم يجب.
استدار واندفع خارج المنزل، وقلبه يضرب صدره بعنف، بينما لحقت به والدته.
ـ عمران! مين ليلى دي؟
توقف للحظة، ثم التفت إليها.
كانت عيناه تحملان غضبًا وخوفًا لا يستطيع إخفاءهما.
ـ مراتي يا ماما.
توقفت والدته مكانها، وكأن الكلمة نزلت عليها كالصاعقة.
ـ مراتك؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى