
“صباح” برقت بذهول، وعينيها اتنقلت بين المفتاح النحاسي التقيل في إيد “أحمد” وبين باب الأوضة المقفول اللي بقاله سنة وزيادة مخبي أسراره. بلعت ريقها بالعافية وحست إن القشعريرة مشيت في جسمها كله.— سر إيه يا أستاذ أحمد؟! وناس مين دول اللي في المنطقة اللي يهددوا حياتكم؟!”أحمد” أخد نفس طويل، وبص لـ “مالك” و”سليم” التأكيد إنهم نايمين في عمق، ورجع خطوة لورا وقعد على الكرسي الخشب وقعد يفرك في إيديه بتوتر:
— أنا مش مجرد صاحب ورشة قطع غيار وخلاص يا صباح.. المنطقة الشعبية دي هنا حارتها مقفولة وكل معلّم فيها ماسك منطقة. من سنتين، دخلت مناقصة كبيرة لقطع غيار نقل ثقيل، وحوت كبار من معلمين السوق كانوا عايزين ياخدوها لحسابهم عشان يدخلوا فيها بضائع مغشوشة ومهربة. أنا رفضت أسمع كلامهم، ودخلت المناقصة وكسبتها بصنايعيتي وورشتي المعتمدة.
سكت “أحمد” وشكله كان شايل هم جبال، وكمل بصوت وطي أوي:
— من ساعتها والمعلم “بشندي” وشريكه “السمري” حاطين عيونهم عليا.. مكنتش أعرف إنهم وصلوا لبيتي. “أمنية” الله يرحمها، قبل وفاتها بيومين، كانت بتنضف في الشقة وسمعت بالصدفة كلام المعلم “بشندي” وهو واقف تحت العمارة بيتكلم مع واحد من رجالي في الورشة، كان بيدي له فلوس عشان يسرب له فواتير ومستندات تدين شغلنا وتلبسني قضية تهرب جمركي كبيرة تقفل ورشتي للأبد!
“صباح” حطت إيدها على بقها مصدومة:
— يعني أستاذة “أمنية” كانت عارفة إن في خاين في ورشتك؟!
— أكتر من كده يا صباح.. “أمنية” استدرجت الولد ده في الكلام وهو طالع يسلمني أوراق، وقدرت تحتفظ بنفسها بملف كامل فيه أوراق مبصومة وإيصالات أمانة تثبت إن المعلم “بشندي” بيجهز لي فخ يوديني في داهية. الجواب والأوراق دول، “أمنية” حطتهم في الدرج ده، وكانت ناوي تدهوملي بالليل، بس يومها اتخانقنا بسبب شقاوة العيال برطمان المربى، فنزلنا إحنا الاتنين زعلانين.. هي نزلت راحت لشغلها في المدرسة وصار الحادث، وأنا نزلت للورشة ومسكتش.
“أمنية” ماتت قبل ما تقولي هي خبت الأوراق فين بالظبط، وأنا من يومها، من وخوفي، قفلت . مكنتش قادر أدخلها.. كنت فاكر إن الدخول جوة هيفتح جرحي، ومكنتش أعرف إن الأوراق دي هي الحبل اللي ملفوف حوالين رقبتي!
“صباح” قربت منه بخطوات ثابتة رغم الخوف اللي في عينها، وقالت بصوت مليان حزم:
— المعلم “بشندي” ده هو نفسه اللي كان واقف تحت العمارة أول الأسبوع وبيسألني وأنا نازلة أنضف السلم؟!
“أحمد” اتنفض من مكانه وبص لها برعب:
— بيسألك أنتِ؟! قالك إيه يا صباح؟!
— سألني لو الأستاذ “أحمد” بيكلم حد بالليل، ولو في أوراق أو دفاتر بتسيبها في الصالة.. وكان عايز يديني فلوس عشان أعرف له مكان المفاتيح بتاعة الشقة! أنا سحبت نفسي وقاطعت الكلام وقلت له ماليش في الشغل ده، وبصراحة خفت أقولك لتقول عليا بتدخل في اللي ماليش فيه وتبطشني!
“أحمد” قبضته على إيد الكرسي بغضب:
