
لكن لم تكن هذه هي النهاية.. فتحت هاتفي وأرسلت رسالة أخيره لطارق أبلغ فيها بموعد الجلسة الأخيرة للإشهار الرسمي للطلاق والتعويض المالي، وأنا أعلم أن مفاجأة اليوم التالي ستدمر ما تبقى من حصونه تمامًا!
في صباح اليوم التالي، جلستُ في قاعة محكمة الأسرة. كانت القاعة تعج بالحركة، لكن هدوئي كان أشبه بصفحة ماء راكدة لا تهزها الرياح.
دخل طارق القاعة برفقة محامٍ مبتدئ يبدو عليه الارتباك. كان طارق قد فقد كل علامات القوة والاعتداد بالنفس؛ وجهه شاحب، عيناه غائرتان، وينظر إلى الأرض وكأنه يهرب من مواجهة وجهي.
جلس أمام القاضي، ووقف الأستاذ فتحي يرفع ملف الدعوى المكتمل:
– “سيدي القاضي.. نقدم لسيادتكم إقرار التنازل الرسمي والموثق عن كافة حقوق وممتلكات الزوج لصالح موكلتي، بالإضافة إلى التقارير المالية الجنائية التي تثبت اختلاس الأرباح طوال خمس سنوات، ونطلب التطليق مع إلزام المدعى عليه بدفع كافة المتأخرات والتعويض عن النفسي والمادي.”
القاضي نظر إلى طارق وسأله بنبرة حاسمة:
– “هل لديك أي اعتراض أو رد على المستندات المقدمة يا أستاذ طارق؟”
وقف طارق وصوته يرتجف، ينظر إليّ بنظرة توسل أخيره، لكنه لم يجد في عيني سوى جدار من الصلب:
– “لا يا سيادة القاضي.. أنا مقر بكل حاجة، ومستعد لكل الشروط.”
بضربة مطرقة واحدة، أعلن القاضي الحكم: “حكمت المحكمة بتطليق المدعية نورهان ر، مع إلزام المدعى عليه بكافة التعويضات والمستحقات المذكورة.”
خرجت من قاعة المحكمة بحرية تامة، وأنا أشعر أن الجبال التي كانت تجثم على صدري قد تلاشت إلى الأبد.
في الخارج، وقف طارق يحاول الحديث معي للمرة الأخيرة:
– “نورهان.. أنا جاني جزائي، وخسرت الشقة، والعمارة، والشركة، وحتى أبويا مش قادر يبص في وشي بعد ما عرف كل اللي عملته. شيرين وأهلها رفعوا عليا قضايا، ومريم اختفت ومش راضية تتكلم.. أنا اتدمرت تمامًا.”
توقفتُ ودفنتُ يدي في حقيبتي، ثم نظرتُ إليه بجمود تام وقيلت له كلماتي الأخيرة:
– “إنت ما اتدمرتش بسببي يا طارق.. إنت اتدمرت لما استهنت ببنت الناس، لما نسيت الفضل، ولما سمحت لغيرك يكسر كبريائي قدامك وأنت ساكت. العز اللي ما يصونش صاحبه ولا يحترم أصله، يغور في ثواني. ربنا ما بيسيبش حق مظلوم، ودعوة أبويا الفلاح الله يرحمه هي اللي ردتلي حقي في الدنيا قبل الآخرة.”

