عام

غرفه العمليات الاخير

مقدرتش أستحمل ثانية واحدة زيادة في الشقة، حسيت الحيطان بتطبق على نفسي، وخنقة الموت اللي هربت منها رجعت تخنقني بس على إيد الست اللي سلمتها روحي ومالي. سيبتها واقفة ببرودها، ونزلت أجر رجليا في الشارع زي التايه، مش شايف قدامي والدم بيغلي في نافوخي مكان العملية، ومعرفتش أروح فين إلا على بيت أمي.

طلعت السلم وأنا ساند على الحيطة من كتر الضعف والخزي، خبطت على الباب بإيد مرتعشة. لما أمي فتحت وشافتني بالمنظر ده، اتخضت لحظة كأي أم، بس ملامح الجمود رجعت على وشها بسرعة.

دخلت ورميت نفسي على الكنبة، وانفجرت في العياط زي العيل الصغير، وحكيتلها كل كلمة شهيرة قالتهالي، حكيتلها إنها بتساومني على شقا عمري وعايزاني أشتغل أجير عندها وتحت رحمتها ورافضة ترجعلي مليم.

كنت فاكر أمي هتصرخ معايا، أو تقول لأخويا ينزل يبهدلها وياخد حقي، لكن أمي فضلت قاعدة مكانها، باصة في الأرض بهدوء مرعب، اتنهدت تنهيدة طويلة كلها وجع وقالتلي بصوت هادي وميت:

ـ استعوض ربنا في فلوسك يا بني.. الفلوس راحت خلاص، زي ما إنت روّحت حق بناتك زمان. إنت خسرت فلوسك، وخسرت مراتك، وخسرت بناتك من قبلهما.

رفعت راسي مذهول ولساني مش قادر ينطق، فكملت أمي بنفس النبرة المكسورة:

ـ حماك كلمني أنا وإخواتك من كام يوم، الراجل اتكلم بأدب وأصل يكسف، وقالنا نبلغك عشان مبقاش طايق حتى يسمع صوتك في التليفون.. نسمة رافعة ق\ضية خلع، ومش عايزة منك ولا مليم، ولا مؤخر، ولا نفقة، ولا عايزة تلمح طيفك تاني. قالت لأبوها: “أنا متجوزتش راجل عشان استنى منه ورث، دهبي وشقايا فدا بناتي، بس الراجل ده لو دخل من باب هدخل من التاني”.

حسيت كأن س\كينة باردة نزلت شقت صدري، بصيت لأمي بدموع بتكوي عيني:

ـ خلع يا أمي؟! نسمة تخلعني ومستنيانيش حتى أروحلها أعتذرلها وأبوس رجلها؟

أمي بصتلي نظرة قطعت آخر حبل أمل في قلبي وقالت:

ـ تعتذر على إيه ولا إيه يا ابني؟ على الكسرة اللي كسرتها لبنتك على باب العمليات؟ ولا على الغدر بست وقفت جمبك وصنعتك من الهوا؟ نسمة نفضت إيدها منك للأبد، والست التانية قفلت عليك الباب وخدت الجمل بما حمل.. إنت دلوقتي واقف في الهوا، لا طايل ولد ولا طايل بنات، والذنب اللي ركبته طلع عليك في الدنيا قبل الآخرة.

أمي كملت كلامها بنبرة حاسمة وصوت مفيش فيه ذرة تردد:

ـ طلقها يا ابني.. طلقها بالمعروف وبلاش تبهدلها في محاكم بعد كل اللي عملته فيها، إنت متستاهلهاش ولا تستاهل ضفرها. أخدت شقاها وفلوسها ودهبها وصرفته على واحدة تانية، وكسرت خاطرها وخاطر عيالها. حتى مصبرتش عليها، ما الست كانت لسه صغيرة وكان ممكن تجيبلك الولد اللي هوسك ده! روحت استعجلت وشوفت حياتك في السر ورَميت حمولك وراك.. من حقها هي كمان تطلق وتشوف حياتها وتبعد عن القهر اللي عاشته معاك!

كلام أمي كان بيدق في راسي زي المطارق، مقدرتش أقعد دقيقة تانية أسمع حقيقتي اللي بتهرب منها. قومت مفزوع، نزلت السلالم جري وأنا مش شايف الطريق، وركبت أول تاكسي وقولتله على عنوان بيت حمايا القديم.. البيت اللي نسمة راحتله بعد ما سابت شقتنا.

وصلت العمارة، طلعت السلالم وأنا بنهج وروحي بتتسحب مني. وقفت قدام الباب وفضلت أخبط بخبطات متتالية، مرتعشة :

ـ نسمة! افتحي يا نسمة عشان خاطري، اسمعيني بس.. أنا غلطان والله غلطان، افتحي يا أم البنات!

فضلت أخبط لحد ما إيدي وجعتني، البيت كان ساكت خالص، وفجأة سمعت حركة خفيفة ورا الباب، وصوت نسمة طالع من جوا حاد وناشف زي الحجر:

ـ امشي من هنا يا أستاذ.. وجودك ملوش أي معنى ولا كرامة، الباب ده اتقفل في وشك ومش هيتفتح تاني، والمحامي هو اللي بيني وبينك.

صرخت بضعف ودموعي نازلة تحرق خدي:

ـ متعمليش كدة يا نسمة، أنا اتعاقبت وربنا جابلك حقك تالت ومتلت، شهيرة خدت كل حاجة ورمتني.. اسمعيني بس ونرجع لعيالنا!

كنت مستني نسمة تشمت أو تزعق، لكن اللي صدمني وقطع قلبي حتت كان صوت صغير قرب من فتحة الباب.. صوت بنتي نور.

قالت بنبرة طفولية بس مليانة جفا ووجع سنين:

ـ امشي يا بابا.. إنت نسيتنا هناك عند العمليات وقولت إنك مش عايزنا، وإحنا كمان خلاص نسيناك ومش عايزينك.. متخبطش على بابنا تاني!

رجعت لورا خطوة، ساند ضهري على الحيطة في مدخل السلم، الدموع مغرقة وشي، وصوت بنتي بيرن في وداني زي الحكم بالإعدام. حسيت بسواد ملوش آخر بيقفل عليا، واقف في الشارع خالي الوفاض، لا بيت، ولا مال، ولا عيال، أدركت ساعتها إن اللي بيخسر بناته وأصله عشان وهم.. بيفضل طول عمره غريب ومكسور، ومفيش باب في الدنيا هيرضى يتفتحله تاني.

حاولت مرة واتنين وتلاتة، روحت بيت حمايا بالساعات، وقفت تحت البلكونة، بعت وسايط وناس كبار من العيلة يترجوها، بس كان الباب مقفول بالضبة والمفتاح، ونسمة حلفت ما يجمعني بيها سقف واحد تاني، وبناتي كانوا بيستخبوا أول ما يلمحوا خيالي من الشباك.

وفي وسط المحاولات المستميتة دي، دخلت شهيرة على الخط بلؤم وخبث ميتوصفش؛ عرفت بنزولي ومرواحي لبيت نسمة، وساعتها قررت تحط النقط على الحروف وتلعب بآخر كارت في إيدها. وقفت قدامي في الصالة وحطت ابنها على رجلها، وبصتلي بنظرة كلها مساومة وقالت بنبرة هادية بس قاطعة كالسيف:

ـ اسمع بقى عشان نجيب من الآخر.. حركات المراهقة دي متلزمنيش. إنت ليك هنا ابن وفلوس ومستقبل، والست التانية قفلت بابها في وشك وبناتها استعروا منك ورفعوا عليك قدامك حل من اتنين: يا تطلق نسمة بالمعروف وتنسى السكة دي خالص وترجع تعيش هنا وتربي ابنك في حضنك، وتاكل من خير مالك وشغلك.. يا إما تفضل تجري وراهم، وساعتها هاخد الواد والفلوس وأسافر بيهم بلد أهلي، وعمرك ما هتلمح ضفره تاني!

حسيت الدنيا بتضيق في وشي لحد ما اتخنقت. كنت ضعيف، مكسور، ومعنديش مليم أبدأ بيه من الصفر، والأهم من ده كله، الرعب من إني أخسر الولد بعد ما خسرت بناتي شل تفكيري تماماً.

استسلمت.. ووطيت راسي.

بعت لنسمة ورقة طلاقها رسمي عشان أخلص من وجع المحاكم وأفلت من زن شهيرة، ورجعت شقة شهيرة بشنطة هدومي، بس مكنتش راجع الراجل صاحب البيت.. كنت راجع ممسوح الكرامة.

بقيت أنزل كل يوم من الفجر على المحلات والمخازن، أفتح بنفسي، أفرغ البضاعة، أتحاسب مع الزباين بالقرش، وأدير العمال اللي كانوا زمان بيعملولي ألف حساب وبقوا دلوقتي يبصولي بنظرات همس وغمز عارفين إني شغال براتب. وفي آخر الأسبوع أو الشهر، أروح أقف قدام شهيرة، أسلمها دفاتر الإيراد والفلوس كاملة في إيدها، وهي تعد وتفرز بالواحدة، وترميلي في الآخر ملاليم تكفي مصروفي وسجايري ومصاريف علاج راسي.. كأنها بتديني حسنة!

كنت ببص لنفسي في المراية كل يوم ومبعرفش الشخص اللي واقف قدامي؛ راجل بنى نفسه من خير ست أصيلة، ضحى بيها وببناته عشان “يشيل اسمه”، وانتهى بيه الحال “أجير” ذليل عند واحدة سرقت شقاه، وكل ما أسمع صوت ابني وهو بينادي عليا عشان لعبة، يتردد في ودني صوت بنتي نور وهي بتقولي: “إحنا نسيناك ومش عايزينك”، وأدرك إني مش بس خسرت فلوسي.. أنا خسرت عمري وكرامتي للأبد.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى