
وصلت البيت اللي ورثته عن أمي لقيت حماتي وعيالها المتجوزين بيختاروا الاوض وحماتي بتختار أوضة النوم الرئيسية، وجوزي واقف فرحان بأهله
«مين إداكم الحق تقسموا بيتي وتوزعوا أوضه وكأني مش موجودة أساساً؟»
صوتي خرج هادي.. هادي زيادة عن اللزوم، لدرجة إن البواب العجوز اللي واقف على البوابة وطّى عينه في الأرض وما قدرش يحط عينه في عيني.
أنا اسمي ندى، عندي 34 سنة، وممرضة في مستشفى حكيم. ومن ست شهور بس، دفنت أمي الحجة فاطمة، الست الطيبة اللي قضت نص عمرها واقفة على رجليها في مطعم الفول والطعمية الصغير بتاعها في وسط البلد، عشان تسيبلي في الآخر حاجة تسندني وأعيش بيها مستورة.
أمي ما سابتليش قرشين في البنك وبس.. دي سابتلي بيت ورثته عن أبوها، بيت دورين بجنينة صغيرة على أطراف المعادي، وسابتلي وصية عمري في حياتي ما نسيتها ولا هنسى كلماتها:
«يا بنتي، أول ما الناس تعرف إن تحت إيدك حاجة أو حيلتك قرشين، مش هيستأذنوكي قبل ما يمدوا إيديهم وياخدوها.. هيجربوا الأول يشوفوا هنسكتي لحد فين، ولو سكتِ.. بكرة ياكلوا لقتك!»
يوم السبت ده.. كان أول يوم أروح أفتح فيه البيت وأنا صاحبته الرسمية الشرعية. المفاتيح الحديد في إيدي بصلابتها، وفي إيدي التانية ملف بيج فيه إعلام الوراثة وعقود الملكية المسجلة في الشهر العقاري، وكنت حاسة في كل خطوة إن روح أمي ماشية جنبي وبتسندني.
أول ما وصلت الشارع ونزلت من عربيتي، لقيت تلات عربيات مركونين صف تاني قدام باب البيت بالظبط: عربية حماتي الحاجة صفية، وعربية أخو جوزي الشقي إبراهيم، وعربية أخته المفسدانية شيماء.. وابن شيماء الصغير واقف بيخبط برجليه المبلولة تراب وطين في كاوتش عربيتي القديمة بكل قلة أدب!
أول واحدة جريت عليا وفتحت دراعاتها كانت حماتي صفية.. لابسة عباية شيك ونظارة شمس مغطية نص وشها، وماسكة شنطة جلد زفرة، وبتبتسم الابتسامة الصفرا إياها.. الابتسامة اللي بتحضنك بيها وهي بتحسب في سرها هتاخد منك إيه وتعرّيكي إزاي!
قالت بلهفة وشهوتها للبيت باينة في عينيها:
– «أخيراً وصلتي يا ندى! هاتي المفاتيح من إيدك يلا بسرعة عشان ندخل ونشوف كل واحد وياخد أنهي أوضة ويستقر!»
سحبت إيدي لورا بكل قوة وثبات، وبصيت في عينيها وقُلت ببرود يقطع العرق والدف:
– «أنا اللي هفتح بيتي بنفسي يا خالتي.. والمفاتيح دي ما تطلعش من إيدي.»
تفتكروا طارق وجوزها وحماتها هيعملوا إيه لما يكتشفوا إن ندى مش الست الطيبة الغلبانة اللي كانوا بيمشوها بكلمة؟
ابتسامتها الصفرا اختفت في ثانية، وهدى أخته ضحكت بسخرية وقالت وهي بتقل بعينيها:
الكاتبة_نرمين_عادل_همام
– «يا بنتي بلاش دراما بقى وشغل أفلام! إحنا بقينا أهل وعيلة واحدة خلاص.»
تفتكروا طارق وجوزها وحماتها هيعملوا إيه لما يكتشفوا إن ندى مش الست الطيبة الغلبانة اللي كانوا بيمشوها بكلمة؟….
دخلت البيت والباب الحطب الصاج اتفتح بصوت صرير حاد زي ما يكون بيرفض يدخلهم. الريحة جوه كانت مخلطة بين تراب قديم وريحة فل وياسمين كانت أمي بتزرعهم في الجنينة صغيرة. طارق، جوزي، زق الباب برجله ودخل هو الأول، مش عشان يطمن عليا ولا عشان يسندني، لا.. دخل زي اللي بيكتشف أرض مجاناً، ووراه حماتي صفية وهي بتهز جسمها وبتقيس المساحات بعينيها، ووراها شيماء وإبراهيم بجزمهم المليانة طين.
شيماء جرت على صالة الدور الأرضي، وحطت شنطتها على الكنبة المكسوة بقماش جوبلان قديم، وقالت بصوت عالٍ ومستفز:
– “يا سلام يا طارق! الصالة دي لو اتفتحت على المطبخ وهدينا الحيطة دي، هتبقى سفرة مودرن تاخد العيلة كلها في العزومات! وبعدين الشباك ده بيبص على الجنينة، إحنا ممكن نعمله باب زجاج وسلايدنج!”
إبراهيم أخوه ما كدبش خبر، طلع يجري على السلم الخشب اللي بيزيق، وصوته جايب من فوق:
– “أنا خدت الأوضة اللي قبلي قبلي في الدور التاني! فيها بلكونة واسعة والشمس داخلة فيها، دي هتبقى ممتازة ليا أنا ومراتي لما نجيب العيال الجمعة!”
طارق كان واقف في نص الصالة، حاطط إيده في جيبه، وبيبصلي بابتسامة نصر زايفة، ابتسامة الراجل اللي فاكر إن مراته لسة ندى الممرضة المطيعة، اللي بتاخد نوبتجيات الليل في مستشفى حكيم عشان تكفي مصاريف بيته، واللي كانت بتسكت على قلة أدبه ورمي الكلام من أهله عشان “المركب تسير”.
حماتي صفية قربت من السلم، وحطت إيدها على الدرابزين الخشب، وبصتلي من فوق لتحت ونظارة الشمس لسة على راسها:
– “ندى يا بنتي، الأوضة الكبيرة اللي جوه دي، اللي كان فيها سرير أمك الله يرحمها.. دي هتبقى أوضتي لما أجي أقعد معاكم. أنا ركبي وجعاني ومش هقدر أطلع ونزل السلم كل شوية. وأنتوا خدو أي أوضة فوق، وشيماء تاخد الأوضة التانية عشان لما تيجي تبات هي وعيالها.”
طارق هز راسه بموافقة وقال بسرعة وهو بيبصلي عشان يملى عيني:
– “صح يا أمي.. كلامك هو اللي يمشي. ندى أكيد مش هتعترض، البيت بيتكم وإحنا كلنا عيلة واحدة، وأمي أولى الناس بالراحة هنا.”
كانوا بيتكلموا ويكرروا ويقسموا البيت حتة حتة، وكأني شجرة مزروعة في الصالة، أو قطة أليفة واقفة جنب الباب بتتفرج عليهم!
أنا ما اتكلمتش. ما صرختش، وما عيطتش زي ما طارق كان متوقع مني. المسحة الضعيفة اللي كانت في عيني ماتت يوم ما دفنت أمي فاطمة تحت التراب.
مشيت بخطوات ثقيلة وهادية لحد نص الصالة. حطيت الملف البيج اللي فيه “إعلام الوراثة” وعقود الملكية على الترابيزة اللي في النص، وصوت الملف وهو بيتخبط على الخشب الرخام عمل رنة خلت كل الحركة في البيت تقف.
إبراهيم نزل خطوتين على السلم وبصلي، وشيماء سكتت وهي ماسكة قماش الكنبة، وحماتي لفت وشها ليا ببطء.
بصيت لطارق في عينه مباشرة.. نظرة أول مرة يشوفها مني في ست سنين جواز. نظرة حادة زي المشرط اللي بمسكه في المستشفى.
وقلت بصوت واطي، بس مسموع في كل ركن في البيت:
– “أستاذ إبراهيم.. انزل من على السلم.”
إبراهيم اتفاجئ، وضحك بقلة ذوق:
– “في إيه يا ندى؟ مالك بتتكلمي كدة ليه كأننا أغراب؟”
– “قلتلك انزل من على السلم ورجلك ما تلمسش درابزين بيتي.. يا إما هطلب الشرطة فوراً بتهمة اقتحام ملكية خاصة.”
الكلمة نزل عليهم زي الصاعقة. حماتي صفية شهقت وحطت إيدها على صدرها، وطارق وشة احمرّ وتحول من الابتسامة للغضب الجاهل اللي بيحاول يداري بيه ضعفه.
طارق قرب مني بخطوات سريعة وزق إيدي بعنف:
– “أنتي اتجننتي يا ندى؟! أنتي بتقولي إيه لأمي وأخويا؟ أنتي نسيتي نفسك ولا إيه؟ البيت ده بيتي زي ما هو بيتك، وأهلي يدخلوا في أي وقت ويختاروا اللي يعجبهم!”
مسكت الملف البيج من على الترابيزة، ورفعته في وش طارق، وقربت منه لحد ما بقيت بيني وبينه شبر واحد:
– “البيت ده مش بيتك يا طارق. البيت ده ملك فاطمة عبد الرحمن، ورثته عنها شرعاً وقانوناً بموجب إعلام الوراثة ده، والعقد السجل العقاري المسجل باسمي أنا بس. أنتي مالكش فيه مسمار واحد، ولا ليك ولا لأهلك حق تحطوا رجلكم جواه من غير إذني!”
شيماء دخلت في النص وقالت بصوت سرينة:
– “جرى إيه يا ست ندى؟ وشك الحقيقي ظهر أهو! بقى بتطردينا من بيت أخونا؟ هو ده أصلك؟ إحنا اللي جينا نبارك ونفرح معاكي، تقومين تهددينا بالشرطة؟”


