عام

ابني حكايات روماني مكرم الاخير

انطلقت السيارة بي، وفي المرآة الخلفية كان طارق يقف مصدومًا وسط الشارع بينما يسحب خطيب مريم والده من يده ويتراجعان نحو سيارتهما ملغيين الزيارة بالكامل، وسط صراخ مريم المنهار وعويل شيرين الذي ملأ الحارة.

لم تكن وجهتي ملجأً أو فندقًا، بل كانت المقر الإداري للشركة الاستثمارية الكبرى التي أصبحت الشريك الجديد والمالك للنصف الأكبر من أملاك عائلة طارق.

جلس مدير الشركة، الأستاذ إسماعيل، يراجع معي التقارير المالية للسنوات الخمس الماضية والتي سحبها الفريق القانوني قبل ساعات قليلة من البنوك.

نظر إليّ الأستاذ إسماعيل بذهول وقال:

– “مدام نورهان.. التقرير المالي المبدئي بيوضح إن جوزك، الأستاذ طارق، كان بياخد أرباح حصتك بالكامل ويسجلها في الدفاتر على إنها مصاريف تشغيل وصيانة وهمية! يعني فوق إنه كان حارمك من حقك المعنوي، كان بياكل حقك المالي بالأرقام والمستندات.”

لم أندهش، بل ابتسمت بمرارة وأنا أوقع على تفويض الجرد الجنائي:

– “كنت عارضة عليه الفضل، واختار هو الغدر.. كملوا الإجراءات القانونية للآخر يا أستاذ إسماعيل.”

في المساء، كان بيت طارق يتحول إلى ساحة حرب.

أحد المحامين التابعين لي نقل لي ما يحدث هناك؛ أعمام طارق تجمهروا في  والده، والجميع يلوم طارق وزوجته شيرين. الحاج عبد الجواد، والد طارق، طرد شيرين إلى بيت أهلها في منتصف الليل بعدما علم أنها كانت السبب المباشر في تشجيع طارق على إهانتي وإلقاء طعامي، ومريم حبست نفسها في الغرفة تصرخ بعد أن أرسل لها خطيبها رسالة قصيرة ينهي فيها الخطبة بسبب “الغموض والفضائح المالية والأمنية التي شهدها على باب العمارة”.

في الساعة الثانية صباحًا، بدأ هاتفي يرن بلا توقف.

عشرات المكالمات من طارق، ثم رسائل تتوسل وتتوسل:

“نورهان.. افتحي أرجوكِ، أنا بره الكافيه اللي جواه مكتبك، والله العظيم كنت أعمى.. شيرين أصل البلاء وطردتها عند أهلها، ومريم خطوبتها اتفسخت، وأبويا جاله أزمة قلبية ونقلوه المستشفى.. ارجعيلي وما تضيعيش العيلة!”

نظرت إلى الشاشة بجمود، ثم أغلقت الهاتف تمامًا.

مع حلول الصباح، كنت أقف أمام باب المستشفى العام حيث يرقد الحاج عبد الجواد. لم أكن قاسية للحد الذي يمنعني من عيادة رجل مسن كان صاحب أبي، لكنني لم أعد تلك المرأة الضعيفة التي تُستغل.

عند باب الغرفة، كان طارق يجلس على الأرض، وجهه شاحب، وعيناه غائرتان، وثيابه مجعدة ومجردة من كل مظاهر التأنق والتكبر.

بمجرد أن رآني، قفز من مكانه وارتمى عند قدمي أمام الأطباء والممرضين:

– “نورهان! سامحيني.. أرجوكِ انقذينا، الشمع الأحمر اتعلق على الشركة والبنك جمد الحسابات، والمحامي قال إن في بلاغ للنيابة بتهمة التبديد واختلاس أموال الشراكة! أقسم بالله مستعد أكتبلك كل حاجة باسمك، بس ما تحبسنيش!”

نظرت إليه من الأعلى، خالية تمامًا من أي مشاعر، ورفعت رأسي بثبات:

– “استنظف كلامك يا طارق.. مش أنا اللي أحبسك، أفعالك وإيدك اللي اتمدت على حق غيرك هي اللي بتحبسك. زي ما هان عليك كبريائي وأكلي وذكرى أبويا، هان عليك شرفك المالي.”

خرج الطبيب في تلك اللحظة ليبلغهم بأن حالة الحاج عبد الجواد استقرت، لكنه يحتاج لعملية عاجلة تكاليفها باهظة في مستشفى خاص، والحسابات البنكية الخاصة بالعائلة جميعها متوقفة بقرار النيابة تحفظيًا!

نظر إليّ طارق بعينين ميتتين، يتوسل بقايا الرحمة في قلبي:

– “نورهان.. أبويا بيموت، الحسابات مقفولة وما حيلتيش ولا مليم سائل أدفعه للمستشفى.. كفالة أبويا في إيدك.”

أخرجت دفتر شيكاتي الخاص من حقيبتي، وكتبت الشيك بالقيمة المطلوبة للعملية، ثم نظرته في عينيه وقدمت الشيك له بشرط واحد هز كيانه:

– “الشيك ده مقابل تنازلك النهائيات عن باقي حصتك في الشقة والعمارة.. تتنازل وتخرج بره حياتي بلباسك اللي عليك، ساعتها بس أبوك يدخل العمليات!”

سقطت ورقة الشيك من يد طارق لثوانٍ قبل أن يلقفها بأصابع ترتجف، ينظر بين الرقم المكتوب وبين نبرة صوتي التي لم تدع له منفذًا للمناورة. كانت ملامحه تختزل كل صور الانكسار والمهانة؛ الفتى الذي كان بالأمس يتطاول ويتبجح بإتيكيت عائلته الموهوم، يقف اليوم مسلوب الإرادة، يساوم على أنفاس أبيه بثمن غروره ورعايته الزائفة.

رفع عينيه الممتلئتين بالدموع، وصوته يخرج بحشرجة مكتومة:

– “التنازل عن كل حاجة يا نورهان؟ عايزة تجرديني من كل حيلة وتخرجيني ملط في الشارع؟”

اقتربت منه خطوة واحدة، ونظرت في عينيه بجمود أصلب من الفولاذ:

– “أنا ما جردتكش من حاجة يا طارق.. إنت اللي بعت كل حاجة يوم ما وطيّت راسك لقلة أدب مراتك، ويوم ما استخصرت فيا طبق فراخ بلدي يفكرني بأبويا، ويوم ما سرقت حق عرق أبويا وجريت تسجل أرباحي مصاريف وهمية. الشيك ده إنقاذ لحياة أبوك اللي طمعك وطمع مراتك كان هيقتلوه.. قدامك دقيقة واحدة: تقبل وتوقع التنازل الفوري قدام المحامي اللي واقف ورايا، يا ترجع تنازع على المليم وتتحمل نتيجة طمعك!”

التفت طارق ليجد الأستاذ فتحي يتقدم وبيده عقد التنازل النهائي المجهز مسبقًا، وبجانبه موثق من الشهر العقاري كان يتتبع خطواتنا لحسم الأمور.

نظر طارق إلى باب غرفة العناية المركزة، حيث وصايا الأطباء بالسرعة تلاحقه، ثم التفت إليّ وهو يبكي بحرقة وذل لم أرهما في حياتي. أخذ القلم بيد ترتعش، ووقّع على جميع الأوراق، بائعًا ما تبقى له من حصة في العمارة والشقة لينهي وجوده تمامًا في أملاك العائلة التي طالما تباهى بها.

سحبت العقود الموقعة، وأعطيت الشيك للمستشفى مباشرة لتأمين عملية الحاج عبد الجواد.

وفيما كان الأطباء ينقلون والده لغرفة العمليات، وقفت أمامه أضع النقط فوق الحروف:

– “أبوك يخرج بالسلامة، وياخدك إنت وأختك ومريم ومرتك اللي طردتها وتروحوا تدوروا لكم على مكان ينفعكم.. أمامكم 48 ساعة فقط لإخلاء الشقة بالكامل، ولو لمحت حتة قماش تخصني اتلمست، البلاغ الجنائي بتبديد الأموال هيتحرك فورًا للنيابة.”

تركته ملقى على الأرض في حسرته، وتوجهت فورًا إلى العمارة.

كانت شيرين قد عادت برفقة شقيقها ووالدتها محاولين اقتحام  بالقوة لأخذ أمتعتها وثيابها، يصرخون في الصالة ويشتمون، ومريم تبكي في الزاوية تت حسر على مستقبلها المهدم.

لكن المفاجأة كانت بانتظارهم؛ عندما قدمت ومعي قوة تنفيذية ورجال حراسة تابعين للشركة الاستثمارية.

صرخ شقيق شيرين بقلة أدب: “إنتِ فاكرة نفسك مين يا ست إنتِ؟ الشقة دي شقة أختنا وجوزها، وأي حاجة هنا تلزمنا!”

تقدمت الأستاذة إلهام، المحامية الثانية فيفريقي، ورفعت في وجهه القرار القضائي الرسمي  والتحفظ:

– “أستاذ.. أي اعتداء أو إتلاف للمحتويات هيعتبر إتلافًا عمديًا لأملاك شركة مساهمة، والست شيرين ملهاش أي صفة هنا بعد تنازل زوجها رسميًا عن كامل الحصة اليوم وتطليقها شفاهة وأمام شهود أمس!”

شحبت ملامح شيرين، وصرخت بذهول: “؟! طارق تنازل وطردني؟!”

رددت عليها بابتسامة نصر هادئة:

– “طردك وربط رقبتك بالتنازل عشان ينقذ أبوه من المستشفى اللي إنتِ وياه وصلتوه ليها. يلا يا شيرين.. لمي بلاويكِ وإتيكيتك في شنطة واحدة واطلعي بره أرض أبويا، عشان الزبالة اللي رميتي فيها أكلي بالأمس، أصلها مكان لكل واحد يتطاول على سياده!”

انهارت شيرين في البكاء وهي تلملم أغراضها الشخصية وسط نظرات الجيران الذين تجمعوا في السلم يرقبون طرد “الهوانم” اللاتي طالما تعالتن عليهم. وخرجت مريم تتجرجر خلفها، تسحب حقائبها بكسرة خيبة لا توصف، بعد أن فقدت الخطيب، والبيت، والعز المزيف.

جلست في منتصف الصالة الفارغة، تنفست الحرية لأول مرة منذ خمس سنوات. البيت أصبح ملكي بالكامل، والحق عاد لأصحابه.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى