عام

غرفه العمليات 2

شهيرة وقفت مكانها عند عتبة الباب، عينيها راحت لأمي وإخواتي اللي كانوا واقفين زي الجدار الصامد، ملامحهم خالية تماماً من أي ترحيب. بلعت ريقها وحاولت ترسم على وشها ابتسامة مهزوزة، وقربت خطوتين وهي شادة الواد في إيدها وقالت بصوت ناعم ومفتعل:

ـ حمد الله على سلامتك يا حبيبي.. ألف حمد وشكر ليك يا رب، والله العظيم قلبي كان هيقف من الرعب عليك.

أخويا مقدرش يمسك نفسه، طلع تريقة واضحة وضحك بسخرية وقالها ببرود:

ـ باين أوي الرعب في عينيكي، مبروك يا ستي.. الورق خلاص ختمتيه وتمام؟ ملحقتيش حتى تغسلي إيدك من حبر التوثيق وجاية تطمني؟

وش شهيرة احمرّ، وارتبكت بجد وعينيها زاغت بيني وبينهم، وحاولت تدافع عن نفسها بنبرة مسكنة:

ـ إنت بتقول إيه يا أستاذ أنت؟ أنا روحت ألحق الإجراءات مع المحامي زي ما هو وصاني بالظبط قبل ما يدخل، قال عشان أضمن حقي وحق ابنه لو حصله حاجة، وده أمر الله.. أنا مكنتش بعمل حاجة من وراه!

أمي وقفت ببطء، وبصتلها بجمود يقطع الخلف، وقالت بصوت هادي بس مليان هيبة وقهرة:

ـ ده حقك اللي شفتيه، لكن حق الراجل اللي سايباه بين الحيا والموت ومستنتيش حتى تعرفي هيخرج حي ولا في كفن، ده مكنش في حساباتك.. عالعموم يا بنتي، مبروك عليكي المال اللي دخلتيه على خراب بيوت تانية، إحنا ماشيين.

أمي بصتلي نظرة أخيرة، نظرة أم بتودع ابنها اللي نزل من نظرها لسابع أرض، وقالتلي:

ـ إنت دلوقتي مش محتاجنا، عندك مراتك وابنك اللي خفت عليهم من الدنيا كلها وخوفتنا منهم.. ربنا يهديك لنفسك يا ابني ويشفيك، بس متستناش مننا نزورك تاني لحد ما تفوق لنفسك وتعرف إنت عملت إيه في بناتك وفينا.

خرجت أمي، ووراها إخواتي من غير ما يبصوا وراهم، ورزع الباب وراهم هز جدران الأوضة وهز روحي معاه.

فضلت في السرير مش قادر أتحرك، عيني متعلقة بشهيرة اللي حطت شنطتها على الكرسي بارتياح واضح بعد ما خرجوا، وقعدت على طرف السرير وقالتلي بنبرة مفيهاش ذرة من اللهفة بتاعة زمان:

ـ متزعلش نفسك يا حبيبي من كلامهم، هما مقهورين بس عشان ضمنت مستقبلي ومستقبل ابنك رسمي.. المهم إنك قمت بالسلامة، وكل حاجة بقت تمام وفي أمان، الورق كله اتسجل خلاص.

بصيت على وشها، ودورت على الملامح الدافية اللي كنت فاكر إني بضحي بالدنيا عشانها، ملاقتش غير ست عملية بتعد مكاسبها. بصيت للولد الصغير اللي واقف باصصلي كأنه شايف راجل غريب، ورجعت فجأة لودني صرخة نسمة وبكاء بنتي نور: “هو إحنا زعلناك في حاجة يا بابا؟”.

حسيت بخنقة حقيقية في صدري، الموت اللي هربت منه تحت مشرط الجراح كان أهون بكتير من الموت البطيء اللي بدأ ينهش فيا، بعد ما اكتشفت إني عشان أضمن مستقبل ورقة، خسرت أهلي، وكسرت ضهر بناتي، وبقيت عايش مع واحدة عينيها مش شايفة غير اللي في جيبي.

خرجت من المستشفى بعد أسبوع، مهدود الحيل وخطوتي تقيلة، لا أهلي سألوا فيا ولا نسمة اتصلت، مكنش قدامي غير بيت شهيرة أروح عليه عشان أكمل فترة نقاهتي.

الأيام الأولى عدت ببطء، كانت شهيرة بتقوم بالواجب بحساب، مفيش فيها الدفا ولا اللهفة بتاعة زمان، بس كنت بصبر نفسي وأقول: “المهم إنها شيلاني وإني وسّعت على ابني”. شهر ورا شهر، الجرح بدأ يلم، والصداع خف، وبدأت أسترد عافيتي وقدرتي إني أقف على رجلي وأفكر في الشغل اللي اتعطل والفلوس اللي محتاجة تتحرك.

في يوم، قعدت معاها في الصالة بعد ما الواد نام، وطلعت شوية أوراق حسابات كنت بحسب فيها السيولة ومصاريف البضاعة، وبصيتلها بهدوء وقولت:

ـ شهيرة، الحمد لله أنا بقيت كويس وقدرت أقف على رجلي، الشغل واقف بقاله شهور ورأس المال كله مجمد في الحسابات والأملاك اللي نقلتهالك.. محتاجين بكرة نروح للشهر العقاري نعمل إعادة نقل للمحلات والعربيات باسمي، أو تعمليلي توكيل عام إدارة وتصرف بالبيع والشرا، عشان أعرف أسحب الفلوس وأشغل السوق تاني، الحال واقف ومفيش دخل داخل.

شهيرة كانت بتشرب الشاي، سابت الكوباية على الترابيزة بروقان وبرود غريب، وبصتلي بابتسامة باهتة وقالت بنبرة مفاجئة:

ـ توكيل إيه وتنازل إيه يا حبيبي اللي بتقول عليه؟ لا طبعاً، الكلام ده مش هيحصل.

بصيتلها بذهول، افتكرتها بتهزر، بس ملامحها كانت جادة وناشفة بشكل يرعب:

ـ يعني إيه مش هيحصل؟! الفلوس دي فلوس شغلي، والورق ده كان معمول لظرف معين عشان أضمنكم لو مت في العملية، ودلوقتي ربنا نجاني ولازم أرجع أشتغل!
ردت بلهجة حادة وصوتها علي:

ـ وربنا نجاك على عيني وعلى راسي، بس مين يضمن بكرة؟ إنت ناسي إنك كان عندك ورم في المخ وشيلته؟ افرض لا قدر الله تعبت فجأة تاني؟ افرض جالك انتكاسة؟ وقتها أهلك اللي طردوني بنظراتهم في المستشفى مش هيرحمونا، هيجوا يرموني أنا وابنك في الشارع وياخدوا الجمل بما حمل!

قومت وقفت والصدمة شلت تفكيري، حسيت الدم بيغلي في نافوخي مكان العملية:

ـ إنتي بتقولي إيه يا ولية إنتي؟! أهلي مين اللي يرموكي؟ دي فلوسي وشقايا، حتى أصل الفلوس دي كان دهب نسمة وخير أهلها عليا! ترجعيلي حقي بالذوق أحسنلك!

شهيرة ضحكت بسخرية وقامت وقفت قصادي، عينها في عيني من غير ما يتهز لها جفن:

ـ بالذوق بالعافية، مفيش ورقة واحدة هترجع باسمك.. البيع والشرا تم رسمي، والفلوس دي بقت أمان لابني وليا، ولو على المصاريف، اطلب اللي يكفيك للبيت وأنا هديهولك بمعرفتي.. إنما الشغل والتحكم، شيلهم من دماغك، أنا مش هرمي نفسي في النار عشانك وعشان طيبتك مع أهلك!

شهيرة بصتلي ببرود يحرق الدم، وعدلت وقفتها بكل ثقة، وقربت خطوة وهي بتهز إيدها بمسكنة متقنة مخلوطة بسم قاتل وقالت:

ـ اسمعني بس واهدى وبلاش العصبية دي، الدكتور قايلك ضغطك ميعلاش عشان نفوخك لسه طري.. أنا مش طمعانة فيك ولا بقولك اقعد في البيت ومتشتغلش، الشغل ده شغلك وأكل عيشنا كلنا.

بلعت ريقي وأنا مش مصدق الوش التاني اللي ظهر فجأة، وسألتها بصوت مخنوق:

ـ أومال عايزة إيه يا شهيرة؟ يعني إيه أرجع للشغل وكل حاجة محجوزة باسمك؟

ابتسمت بخبث وردت بنبرة هادية كأنها بتقدملي خدمة العمر:

ـ إنت تفضل شغال زي مانت بالظبط.. تنزل الصبح، تفتح المحلات، تمشي السوق، وتتحكم في العمال وتزعق وتأمر وتنهي محدش يقدر يكسرلك كلمة.. أصل العمال والتجار متعودين عليك إنت ومش هيفهموا يتعاملوا معايا. بس الورق، الفلوس في البنك، العقود، والأملاك.. تفضل باسمي أنا وابنك، عشان نبقى ضامنين بكرة وماسكين حبل النجاة في إيدينا لو جرالك أي حاجة تاني، ساعتها لا أهلك يعرفوا يلووا دراعنا ولا مراتك الأولى تقدر تاخد قشاية مننا!

الكلمة نزلت عليا زي الكرباج.. شهيرة كانت بتفصّلني على مقاسها؛ عايزاني شغال عندها، مجرد “أجير” بيدير مالها هي وابنها، أطلع عيني من الفجر للمغرب وأعرق عشان هي تقبض في الآخر وتديني مصروفي بإيدها وتحت رحمتها!

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى